تستعد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتصعيد الضغوط الاقتصادية على إيران بصورة واسعة، عبر حزمة محتملة من العقوبات والإجراءات التي قد لا تقتصر على طهران، بل تمتد إلى دول ومؤسسات وشركات تواصل التعامل معها، في محاولة لتضييق مصادر تمويل الاقتصاد الإيراني ودفع طهران إلى تقديم تنازلات في المفاوضات.
وتبرز الصين في صدارة الأطراف التي قد تطالها الإجراءات الأميركية، باعتبارها تستورد نحو 80% من النفط الذي تصدره إيران، فيما قد تسعى واشنطن بالتوازي إلى الضغط على دول خليجية لتقليص علاقاتها التجارية والمالية مع طهران.
وقال ترامب ليل الأربعاء - الخميس إنه سيبدأ ما وصفه بـ"حملة اقتصادية غير مسبوقة" ضد إيران، متوعدًا بعواقب اقتصادية كبيرة لأي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو هيئاتها الحكومية بتوفير "شريان حياة" للاقتصاد الإيراني.
وأشار ترامب إلى أن الإجراءات ستستهدف، من بين أمور أخرى، تهريب النفط، والتحويلات المالية والنقدية، وشركات الصرافة، وتسجيل السفن والشركات الوهمية المستخدمة في الالتفاف على العقوبات.
الصين في قلب الحسابات الأميركية
وتشكل الصين أحد أبرز مفاتيح نجاح أي محاولة أميركية لتشديد الخناق على صادرات النفط الإيرانية، نظرًا إلى استحواذها على الجزء الأكبر منها.
ومن بين الخيارات المطروحة أمام واشنطن فرض عقوبات على مصافٍ صينية تستقبل النفط الإيراني، إلى جانب استهداف بنوك صينية كبرى تمر عبر أنظمتها أموال مرتبطة بإيران. وبحسب التقرير، سبق لوزارة الخزانة الأميركية أن وجهت تحذيرات إلى مصرفين صينيين.
لكن استهداف مؤسسات صينية كبيرة ينطوي على مخاطر تتجاوز إيران، إذ قد يفتح الباب أمام مواجهة اقتصادية أوسع بين واشنطن وبكين، في توقيت حساس يسبق انتخابات التجديد النصفي الأميركية واللقاء المرتقب بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ الشهر المقبل.
عقوبات جديدة على حزب الله
وفي مسار موازٍ، فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على حزب الله، في خطوة قال مسؤول أميركي لوكالة "رويترز" إنها تهدف إلى التأكيد على أن الحزب يعمل لصالح الحكومة الإيرانية، وربط نشاطه رسميًا بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.
كما شملت العقوبات الأميركية عشرة أشخاص تتهمهم واشنطن بالمشاركة في عمليات تهريب أموال لصالح حزب الله.
الإمارات تقطع التعاملات.. وواشنطن قد تضغط على دول خليجية أخرى
وتتجه الأنظار كذلك إلى العلاقات الاقتصادية الإيرانية مع دول الخليج، بعدما أعلنت الإمارات فرض حظر شامل على التجارة والمعاملات مع إيران.
وفي حال تطبيق الإجراءات بالكامل، فقد تفقد طهران أحد أهم أسواقها التجارية وأبرز بواباتها إلى الاقتصاد العالمي. وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، وفرت الإمارات خلال عام 2024 نحو ثلث واردات إيران، بما يشمل إلكترونيات أساسية ومعادن ثمينة وسلعًا استهلاكية.
وتعد الإمارات أيضًا سوقًا مهمة للصادرات الإيرانية، فيما لعبت دبي على مدار سنوات دورًا مهمًا في شبكات التجارة التي استخدمتها إيران للالتفاف على العقوبات الدولية.
وجاء الإعلان الإماراتي عقب اتصال بين ترامب ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، فيما قالت أبوظبي إن قرارها جاء على خلفية ما وصفته بـ"العدوان الإيراني".
وقد تحاول واشنطن دفع دول خليجية أخرى إلى اتخاذ خطوات مماثلة. وتبرز عُمان، على سبيل المثال، كشريك تجاري مهم لإيران، بينما تستطيع دول أخرى في المنطقة فرض قيود إضافية على مرور السلع والتجارة مع طهران.
ووصف الخبير مياد ملكي، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات "FDD"، الحظر الإماراتي بأنه قد يصبح "أهم خطوة اقتصادية في هذه الحرب بالنسبة إلى إيران"، وربما يفوق في تأثيره الحظر الأميركي، فيما يرى خبراء آخرون أن قدرة دول الخليج على إلحاق أضرار إضافية بالاقتصاد الإيراني تبقى محدودة.
ترامب يراهن على الاقتصاد.. وطهران تحذر
ويراهن ترامب على أن زيادة الضغط الاقتصادي ستدفع القيادة الإيرانية إلى تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات.
لكن تقديرات وتقارير عدة تشير إلى احتمال أن تختار طهران الرد بتصعيد عسكري بدلًا من التراجع سياسيًا.
ورد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على إعلان ترامب بالقول إن هذه السياسة لن تؤدي سوى إلى زيادة العداء بين طهران وواشنطن.
وتضاف الإجراءات التي لوّح بها ترامب إلى العقوبات القائمة والقيود المفروضة على قطاعات إيرانية مختلفة، فضلًا عن الحصار البحري الذي تفرضه القوات الأميركية على إيران عبر مضيق هرمز، وفق التقرير.
صادرات النفط تحت ضغط شديد
وتأتي التهديدات الأميركية الجديدة في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني أصلًا من ضغوط متراكمة.
وبحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز"، أدى الحصار البحري إلى شبه توقف لمبيعات النفط الإيراني. وأظهر تحليل لصور أقمار اصطناعية عدم تسجيل عمليات تحميل لناقلات النفط لمدة أسبوع في جزيرة خارك، التي تشكل محطة التصدير الرئيسية ويمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية.
كما أشارت الصور إلى أن طهران بدأت تقليص الإنتاج في بعض حقولها لتجنب نفاد قدراتها التخزينية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى اعتماد إيران الكبير على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة ومؤسسات الدولة، بما فيها رواتب العاملين في الأجهزة الأمنية.
تضخم بنحو 80% وانكماش متوقع للاقتصاد
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، امتدت تداعيات الأزمة إلى عشرات الملايين من الإيرانيين، وسط ارتفاع حاد في الأسعار وفقدان وظائف ونقص في الوقود وسلع أخرى.
ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6% خلال عام 2026، فيما بلغ معدل التضخم السنوي نحو 80%.
كما ارتفعت أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية، بينها الدجاج والحليب، بأكثر من 150%، في حين فقد نحو نصف مليون شخص وظائفهم، بحسب التقرير.
تحذيرات داخل القيادة الإيرانية
وبات الوضع الاقتصادي مصدر قلق متزايد داخل مؤسسات الحكم الإيرانية. وكان الرئيس مسعود بزشكيان قد وصف الاقتصاد الشهر الماضي بأنه تحول إلى "ساحة المعركة الرئيسية" في البلاد، محذرًا من أن استمرار الضغوط قد يؤدي إلى زيادة حالة الاستياء الشعبي.
وبحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، حذر بزشكيان القيادة الإيرانية مباشرة من خطورة الوضع الاقتصادي، ولوّح بإمكانية الاستقالة.
كما أفادت "نيويورك تايمز" بأن محافظ البنك المركزي الإيراني وجه رسالة إلى المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، حذر فيها من أزمة حادة في الموازنة ومن احتمال نفاد مخزونات الغذاء والمستلزمات الطبية الأساسية بحلول نهاية آب في حال استمرار الحصار البحري.
وفي مؤشر آخر على حجم الضغوط، قال نائب وزير الخارجية الإيراني وعضو فريق المفاوضات كاظم غريب آبادي إن الاقتصاد بحاجة ملحة إلى تخفيف العقوبات، وهو ما قد يتحقق في إطار اتفاق دبلوماسي.
وبينما تراهن واشنطن على أن تشديد الخناق المالي والتجاري سيجبر طهران على تغيير موقفها، فإن توسيع العقوبات لتشمل شركاء إيران، وعلى رأسهم الصين ودول المنطقة، قد يحول المواجهة الاقتصادية إلى أزمة ذات تداعيات أوسع، تتجاوز حدود إيران إلى أسواق النفط والتجارة والاقتصاد العالمي.



