دراسة: إسرائيل قوية عسكريًا لكنها تسير نحو فخ استراتيجي

حذّرت دراسة إسرائيلية من اتساع الالتزامات العسكرية بالتزامن مع تراجع الدعم الخارجي وضغوط الاقتصاد والهجرة، معتبرة أن استمرار المسار قد يقود إلى أزمة تفرض تغييرًا استراتيجيًا قسريًا.

1 عرض المعرض
اسرائيل قوية عسكريًا لكنها تسير نحو فخ استراتيجي
اسرائيل قوية عسكريًا لكنها تسير نحو فخ استراتيجي
اسرائيل قوية عسكريًا لكنها تسير نحو فخ استراتيجي
(معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي)
حذّرت دراسة جديدة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي من أن إسرائيل تظهر مؤشرات مبكرة على ما وصفته بـ"التمدد الاستراتيجي المفرط"، إذ تتسع التزاماتها العسكرية والأمنية في وقت يتعرض فيه الأساس الاقتصادي والبشري والسياسي اللازم لتمويل هذه الالتزامات لضغوط متزايدة.
وتم نشر الدراسة، التي أعدها ميك ديفيس، اليوم (الأحد)، تحت عنوان "عندما تتحول القوة إلى فخ: نظرة بنيوية إلى المسار الاستراتيجي لإسرائيل"، مستندة إلى نظرية المؤرخ بول كينيدي بشأن صعود القوى الكبرى وتراجعها. وتشدد الدراسة على أنها لا تتنبأ بانهيار إسرائيل، وإنما تحذر من أن القوة العسكرية لا تعني بالضرورة القدرة على الحفاظ عليها على المدى الطويل.
وقارنت الدراسة الحالة الإسرائيلية بثلاث تجارب تاريخية: إسبانيا في عهد آل هابسبورغ، وجنوب أفريقيا خلال نظام الفصل العنصري، والاتحاد السوفييتي في سنواته الأخيرة، معتبرة أن القاسم المشترك بينها كان اتساع الالتزامات الاستراتيجية بوتيرة تجاوزت قدرة القاعدة الاقتصادية والسياسية على تحملها.
إنفاق عسكري متصاعد وديون متزايدة
وبحسب الدراسة، ارتفع الإنفاق العسكري الإسرائيلي من 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2023 إلى 8.8% عام 2024، لتصبح إسرائيل الثانية عالميًا في نسبة العبء العسكري بعد أوكرانيا.
وأشارت إلى أن إسرائيل باتت تتحمل بصورة متزامنة تكاليف عدة ساحات، تشمل قطاع غزة ولبنان والضفة الغربية وإيران والساحات البحرية، فيما ارتفع الدين العام من 61.5% من الناتج في نهاية 2023 إلى 67.8% في نهاية 2024، ثم إلى 68.5% في نهاية 2025.
وأضافت أن استدعاء مئات آلاف جنود الاحتياط لا يحمّل الموازنة نفقات مباشرة فحسب، وإنما يسحب أيضًا أعدادًا كبيرة من السكان في سن العمل من النشاط الاقتصادي، ما يعني، بحسب الدراسة، أن الاقتصاد يدفع تكلفة الحرب مرتين: في الإنفاق العام وفي خسارة الإنتاج.
وتشير الدراسة كذلك إلى تخفيض وكالات التصنيف الائتماني الكبرى تصنيف إسرائيل خلال الحرب، معتبرة أن تخفيض التصنيف لا يمثل مجرد تقييم نظري، وإنما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض.
الهجرة والحريديم والقاعدة الاقتصادية
ورأت الدراسة أن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع الالتزامات، وإنما في تزامن ذلك مع ضغوط على القاعدة المنتجة التي يفترض أن تمولها.
وأشارت في هذا السياق إلى انخفاض مشاركة الرجال الحريديم في سوق العمل مقارنة بالرجال اليهود غير الحريديم، وإلى استمرار إعفاء أعداد كبيرة منهم من الخدمة العسكرية، في وقت يُتوقع أن يشكل الحريديم نحو ثلث سكان إسرائيل بحلول عام 2065.
كما توقففت عند ارتفاع الهجرة من إسرائيل، مشيرة إلى تسجيل صافي هجرة سلبية بلغ 29,759 شخصًا عام 2023، و58,624 شخصًا عام 2024، مع أهمية خاصة لتركيبة المهاجرين، إذ يميل المغادرون إلى أن يكونوا من الشباب والمتعلمين وفي سن العمل.
ورأت أن الخطر يتعاظم عندما تطاول الهجرة قطاعات مثل التكنولوجيا المتقدمة، التي تمثل أحد أهم محركات الاقتصاد الإسرائيلي، فيما يتزامن ذلك مع ارتفاع تكلفة رأس المال وتراجع أعداد المستثمرين الأجانب النشطين في شركات التكنولوجيا الإسرائيلية.
تراجع التأييد لإسرائيل في الولايات المتحدة
وتولي الدراسة أهمية خاصة للتغير في الرأي العام الأميركي، باعتباره أحد عناصر القوة الاستراتيجية الإسرائيلية.
وبحسب معطيات أوردتها الدراسة عن استطلاع لمركز "بيو" أجري في آذار/ مارس 2026، بات 60% من الأميركيين يحملون رأيًا سلبيًا تجاه إسرائيل، مقابل 37% يحملون رأيًا إيجابيًا، بعد أن كانت نسبة المواقف السلبية 42% عام 2022.
ورأت الدراسة أن التطور الأكثر أهمية يتمثل في الأجيال الشابة، إذ أصبحت النظرة السلبية لإسرائيل سائدة بين من تقل أعمارهم عن 50 عامًا في الحزبين الأميركيين، بما في ذلك الجمهوريون.
واعتبرت أن هذه التحولات قد تكون أكثر خطورة على المدى الطويل من الانتقادات السياسية الآنية، لأن الأجيال التي تتراجع بينها شعبية إسرائيل ستشكل قاعدة الناخبين وصناع القرار الأميركيين خلال العقود المقبلة.
المساعدات الأميركية لم تعد مضمونة كما في السابق
واستشهدت الدراسة بقرار إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، في أيار/ مايو 2024، تعليق شحنة من القنابل الثقيلة إلى إسرائيل بسبب المخاوف المتعلقة باستخدامها في رفح، معتبرة أن أهمية الحادثة لا تكمن في حجم الأسلحة التي أوقفت وإنما في السابقة التي كرستها: إمكانية ربط إمدادات السلاح الأميركي بقرارات إسرائيل العملياتية.
ورأت أن سعي إسرائيل إلى تحقيق استقلال واسع في إنتاج الأسلحة، رغم أنه يهدف إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، قد يؤدي بدوره إلى زيادة العبء الاقتصادي، لأن بناء قدرات محلية بديلة في مجالات الذخائر الثقيلة ومنظومات الدفاع المتقدمة يحتاج إلى استثمارات ضخمة تتحملها القاعدة الاقتصادية الإسرائيلية.
ثلاثة مسارات لتغيير الاتجاه
وتقترح الدراسة إعادة ضبط المسار الاستراتيجي من خلال ثلاثة مكونات مترابطة: التوصل إلى تسوية في الجبهة الشمالية بدل استمرار فرض النتائج عسكريًا بصورة مفتوحة في جنوب لبنان؛ وبناء إطار أمني إقليمي موسع لمواجهة إيران اعتمادًا على البنية التي وفرتها اتفاقيات أبراهام؛ وفتح أفق موثوق لتقرير المصير الفلسطيني.
ورأت أن المكون الفلسطيني هو حجر الأساس للمسارين الآخرين، معتبرة أنه لا يمكن بناء تعاون إقليمي واسع في مواجهة إيران أو مطالبة دول المنطقة بتقاسم الأعباء الأمنية مع إسرائيل، بينما تبقى القضية الفلسطينية من دون أفق سياسي.
ودعت الدراسة إلى تغيير طريقة عرض الحل السياسي أمام الجمهور الإسرائيلي، من مفهوم "تنازلات مقابل السلام" إلى اعتباره وسيلة للحفاظ على الأمن والقوة الإسرائيلية وتقليل الأعباء الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية.
كما شددت على أن أي ترتيبات فلسطينية مستقبلية ينبغي، وفق تصورها، ألا تعتمد على "الثقة" وحدها، وإنما على منظومة أمنية قابلة للتحقق والإنفاذ ومدعومة من قوى إقليمية، بينها السعودية والإمارات ومصر والأردن.
الدراسة: نافذة التصحيح لم تُغلق بعد
وحددت الدراسة ستة شروط لإجراء تغيير طوعي في المسار، من بينها اعتراف مؤسسات صنع القرار بحجم المشكلة، وتغيير المعادلة الائتلافية التي تحول دون إعادة توزيع الأعباء، والحفاظ على دعم الحلفاء، والتحرك قبل حدوث أزمة اقتصادية، وإيجاد شركاء إقليميين، والحصول على شرعية شعبية داخل إسرائيل.
وخلصت إلى أن إسرائيل لا تواجه حتمية الانهيار، لكن التجارب التاريخية تشير، بحسبها، إلى أن الفترة المتاحة لتصحيح الاختلالات قد تنغلق بسرعة أكبر مما يتوقعه صناع القرار.
واعتبرت أن السؤال المركزي ليس مقدار القوة التي تمتلكها إسرائيل في اللحظة الراهنة، وإنما قدرتها على الحفاظ عليها اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا على المدى الطويل، وما إذا كانت ستعيد ضبط مسارها وهي في موقع قوة، أم ستنتظر حتى تفرض الأزمة عليها التغيير بشروط لا تستطيع التحكم بها.