يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارات معقدة بشأن مستقبل المواجهة مع إيران، في أعقاب الخسائر التي تكبّدها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وسط تقديرات بأن الحرب وتداعياتها الاقتصادية والسياسية أسهمت في تراجع التأييد للحزب.
وبحسب تقرير إعلامي إسرائيلي، أقرّ ترامب، الأربعاء، بأن الحرب مع إيران فرضت ثمنًا سياسيًا باهظًا على الجمهوريين، ما يضعه أمام ثلاثة مسارات رئيسية: استئناف العمليات العسكرية، أو التوصل إلى اتفاق مع طهران، أو مواصلة الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية دون العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة.
ثلاثة سيناريوهات.. ومخاطر مختلفة
يتمثل الخيار الأول في استئناف الهجمات العسكرية ضد إيران، وهو مسار قد يواجه معارضة داخلية متزايدة في الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل استمرار ارتفاع أسعار الوقود والتكاليف الاقتصادية للحرب، فضلًا عن الشكوك بشأن قدرة جولة عسكرية جديدة على تحقيق نتائج مختلفة عن العمليات السابقة.
أما الخيار الثاني، فيقوم على استئناف المفاوضات بهدف التوصل إلى تسوية تنهي المواجهة. غير أن هذا المسار يواجه عقبات تتعلق بمواقف الطرفين، إذ قد ترفض طهران تقديم تنازلات إضافية، أو تتجه إلى تشديد مطالبها في ضوء النتائج الانتخابية الأمريكية، ما قد يصعّب التوصل إلى اتفاق.
ويتمثل الخيار الثالث في مواصلة سياسة الضغط الاقتصادي والعسكري غير المباشر، من خلال الإبقاء على الحصار البحري والعقوبات المشددة، بهدف زيادة الضغوط على القيادة الإيرانية ودفعها إلى قبول تسوية لاحقًا. إلا أن هذا المسار قد يستغرق أشهرًا دون تحقيق تقدم ملموس.
ترامب: الحرب أثّرت على أسعار الوقود لكننا لم نملك خيارًا آخر
وفي تصريحات للصحفيين، اعتبر ترامب أن تحليل نائبه جيه دي فانس لأسباب خسارة الجمهوريين في الانتخابات "صحيح إلى حد كبير"، مشيرًا إلى أن الحرب أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود وانعكست على المزاج الانتخابي الأمريكي.
ومع ذلك، أكد الرئيس الأمريكي أنه كان سيتخذ القرار نفسه مجددًا، قائلًا: "لم يكن أمامنا خيار آخر. لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي".
وردًا على سؤال بشأن موعد إنهاء الحرب، قال ترامب إنه يستطيع إنهاءها "متى أراد"، لكنه شدد على ضرورة أن يتم ذلك بصورة تضمن عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا.
من جانبه، حمّل نائب الرئيس جيه دي فانس الحرب مسؤولية خسارة الجمهوريين، وكتب عبر منصة "إكس": "السبب الذي جعلنا نخسر هو الحرب"، معتبرًا أن أي نقاش جاد بشأن الخطوات المقبلة يجب أن ينطلق من الاعتراف بتداعياتها السياسية.
وأشار فانس أيضًا إلى أن العلاقات الأمريكية مع إسرائيل كانت من العوامل التي أضرّت بالموقف الانتخابي للحزب الجمهوري.
خلافات داخل إدارة ترامب بشأن التعامل مع إيران
ونقل التقرير عن مصادر مطلعة أن فانس قاد خلال الأشهر الأخيرة توجهًا داخل الدائرة المقربة من ترامب يدعو إلى التوصل لاتفاق مع إيران وإنهاء الحرب، محذرًا من تداعيات استمرارها على شعبية الإدارة والحزب الجمهوري.
ووفق المصادر، وجّه فانس خلال محادثات مغلقة انتقادات حادة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن تقديراته المتعلقة بإيران، معتبرًا أنه أخطأ في تقييم جوانب متعددة من الملف.
وأضاف التقرير أن عددًا من كبار مستشاري ترامب شاركوا فانس موقفه الداعي إلى التسوية، إلا أن الرئيس الأمريكي ظل يميل إلى احتمال استئناف العمليات العسكرية، ودرس في مرحلة معينة تنفيذ هجمات جديدة قبل انتخابات الكونغرس، في ظل ضغوط مارسها نتنياهو بهذا الاتجاه.
وفي نهاية المطاف، قرر ترامب تأجيل أي تصعيد عسكري إلى ما بعد الانتخابات.
استعدادات أمريكية لاستئناف العمليات ووساطة قطرية لمنع التصعيد
وفي موازاة النقاشات السياسية داخل واشنطن، أفاد مسؤولون أمريكيون بأن الجيش الأمريكي يستكمل استعداداته لاحتمال استئناف عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، بما يشمل إرسال قوات ووسائل عسكرية إضافية إلى المنطقة.
وفي المقابل، يواصل الوسطاء القطريون جهودهم للحصول على موافقة واشنطن وطهران على مسودة اتفاق تهدف إلى منع تجدد القتال، وقد تفتح المجال أمام استئناف المحادثات المباشرة بين الطرفين خلال الأيام المقبلة.
وبحسب مصادر مطلعة على جهود الوساطة، استفسر الوسطاء قبل الانتخابات عن الخطوات التي قد يتخذها ترامب في حال تكبّد الجمهوريون خسائر، إلا أن مستشاريه لم يقدموا إجابة حاسمة.
ونقل التقرير عن مسؤول أمريكي قوله إن الإدارة فضّلت انتظار نتائج الانتخابات قبل تحديد مسارها المقبل.
طهران تعتبر نتائج الانتخابات هزيمة سياسية لترامب
في المقابل، رحّب مسؤولون إيرانيون بالخسائر الانتخابية التي مُني بها الجمهوريون، واعتبروها دليلًا على فشل السياسة الأمريكية تجاه إيران.
وكتب محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، عبر منصة "إكس"، أن إيران ألحقت بترامب "هزيمة استراتيجية في ساحة المعركة ومضيق هرمز، وهزيمة سياسية في واشنطن"، على حد تعبيره.
وأضاف أن الولايات المتحدة تتحمل الكلفة الاقتصادية للحرب، محذرًا من أن أي مواجهة مع إيران ستكون لها تبعات تتجاوز ساحة القتال.
لكن دبلوماسيين مشاركين في جهود الوساطة ومستشارين أمريكيين وخبراء في شؤون الشرق الأوسط حذّروا من أن المواقف الإيرانية المتشددة عقب الانتخابات قد تدفع ترامب نحو استئناف العمليات العسكرية بدلًا من التوصل إلى تسوية.
وفي هذا السياق، اعتبر علي واعظ، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، أن طهران قد تخطئ إذا فسّرت التراجع السياسي لترامب باعتباره ضعفًا عسكريًا، مشيرًا إلى أن التوصل إلى اتفاق في ظل استمرار رغبة واشنطن بالتفاوض قد يكون خيارًا أكثر جدوى.
استمرار الحصار دون اتفاق.. خيار مطروح داخل واشنطن
وأشار التقرير إلى أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، إلى جانب مستشارين آخرين، يفضّلون منح سياسة الحصار البحري والضغط الاقتصادي مزيدًا من الوقت، بهدف تشديد الضغوط على إيران دون الانخراط في جولة عسكرية جديدة.
وبين الضغوط الداخلية التي يواجهها ترامب، والاستعدادات العسكرية الأمريكية، والجهود الدبلوماسية الجارية، لا يزال مستقبل المواجهة مع إيران مفتوحًا على عدة احتمالات، في ظل غياب مؤشرات حاسمة بشأن المسار الذي ستختاره الإدارة الأمريكية خلال المرحلة المقبلة.


