نعت الأوساط الأكاديمية والتربوية في المجتمع العربي، اليوم الخميس، البروفيسور الدكتور خالد محمد أبو عصبة، ابن قرية جت في المثلث، الذي توفي عن عمر ناهز 71 عامًا، بعد مسيرة علمية وبحثية طويلة تركت أثرًا بارزًا في قضايا التربية والتعليم، والسياسات الاجتماعية، ودراسة التحولات التي مرّ بها المجتمع العربي في الداخل خلال العقود الأخيرة.
ومن المقرر أن تُشيّع جنازته اليوم الخميس عند الساعة التاسعة صباحًا، من بيت الفقيد في جت إلى المقبرة الشرقية في البلدة، وسط حالة من الحزن في الأوساط الأكاديمية والتربوية التي عرفت الراحل باحثًا ومحاضرًا وناقدًا جادًا لواقع التعليم العربي، وصاحب رؤية اعتبرت التربية أداة أساسية لبناء المجتمع وحماية هويته.
من جت إلى البحث الأكاديمي
وُلد خالد أبو عصبة في قرية جت في المثلث عام 1955، ونشأ في مرحلة كان فيها التعليم العالي بين أبناء المجتمع العربي محدودًا قياسًا بالواقع الحالي. وتعلّم في المرحلة الثانوية في الخضيرة، قبل أن يتابع دراسته الأكاديمية في مجال التربية، ثم يتدرج في مساره العلمي حتى أصبح واحدًا من الأسماء البارزة في علم الاجتماع التربوي والسياسات التعليمية.
حصل أبو عصبة على لقبه الأول في التربية من كلية بيت بيرل، ثم حصل على اللقب الثاني في التربية من جامعة بار إيلان عام 1993، قبل أن ينال الدكتوراه في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا من جامعة بار إيلان عام 2003. وقد جمع في مسيرته بين العمل الأكاديمي النظري والعمل البحثي التطبيقي، الأمر الذي جعل دراساته قريبة من هموم المدارس العربية والسلطات المحلية والعائلات والطلاب.
باحث في المؤسسات ومؤسس لمعهد مسار
عمل الراحل باحثًا كبيرًا في عدد من المؤسسات البحثية، بينها معهد بروكديل ومعهد فان لير في القدس، كما درّس بين عامي 1996 و2002 في إطار برامج إعداد وتأهيل العاملين الكبار في جهاز التربية والتعليم. ولاحقًا حاضر في جامعة بار إيلان وفي الجامعة العبرية في القدس، وتركز عمله على قضايا المجتمع العربي، والاستراتيجيات التربوية، والتخطيط الاجتماعي، والسياسات العامة.
ومنذ عام 2002 ارتبط اسمه بصورة خاصة بمعهد "مسار" للأبحاث الاجتماعية، الذي أسسه وأداره، وحوّله إلى منصة بحثية تهتم بتشخيص قضايا المجتمع العربي من منظور اجتماعي وتربوي. كما حاضر في الدراسات العليا، وخصوصًا في الجامعة العربية الأميركية في جنين، حيث أشرف على طلبة وباحثين في مسارات متقدمة، وأسهم في نقل تجربته البحثية إلى أجيال جديدة من الأكاديميين.
التعليم العربي في مركز مشروعه البحثي
تميّز مشروع أبو عصبة البحثي بانشغاله العميق بجهاز التعليم العربي في إسرائيل، لا بوصفه جهازًا مدرسيًا فحسب، بل باعتباره ساحة مركزية لصراع الهوية، وبناء القيم، والحراك الاجتماعي، ومواجهة التمييز البنيوي. وقد رأى أن التعليم ليس مجرد وسيلة للتحصيل والاندماج الفردي في سوق العمل، بل مورد جماعي وأداة لبناء مجتمع قادر على حماية ذاته وتحديد مستقبله.
في مقابلاته وكتاباته، شدد أبو عصبة على أن المدرسة العربية ركزت غالبًا على التحصيل التعليمي، لكنها لم تمنح التربية القيمية والهوية الجماعية المكانة الكافية. واعتبر أن الحديث عن إصلاح التعليم العربي لا يمكن أن يبقى محصورًا في النتائج والميزانيات والامتحانات، بل يجب أن يشمل سؤالًا أوسع: أي إنسان نريد أن نبني؟ وأي مجتمع نريد أن نكون؟
القيم والهوية محور ثابت في كتاباته
من أبرز كتبه "التربية للقيم في مجتمع مأزوم"، الذي صدر عام 2012 عن معهد مسار، وتناول فيه أزمة المنظومة القيمية في المجتمع العربي، ودور المدرسة والأسرة والمؤسسات الاجتماعية في بناء القيم. وقد رأى في هذا الكتاب أن المجتمع العربي يمر بمرحلة انتقالية معقدة، تتداخل فيها تأثيرات الحداثة والعولمة والتكنولوجيا مع واقع التمييز السياسي والاجتماعي.
وتناول الكتاب أسئلة مركزية حول دور الأسرة، ووظيفة المدرسة، وحق الأقلية العربية في التربية على ثقافتها وهويتها، إضافة إلى العلاقة بين القيم العامة والقيم الخاصة، ودور المؤسسة الدينية والمدرسة والبيئة الاجتماعية في بناء شخصية الطالب. ولم يكن الكتاب مجرد تشخيص للأزمة، بل محاولة لفتح نقاش حول آليات الخروج منها.
من التشخيص إلى استشراف المستقبل
في سنواته الأخيرة، واصل أبو عصبة تطوير مشروعه البحثي من خلال التركيز على استشراف مستقبل التربية والتعليم العربي. وفي كتاباته ومقابلاته اللاحقة، شدد على أن التعليم العربي لا يواجه فقط تحديات تقليدية مثل نقص الميزانيات والفجوات التحصيلية، بل يواجه أيضًا تحديات جديدة مرتبطة بالعولمة، والنيوليبرالية، والتكنولوجيا، وتآكل القيم الجماعية، وصعود الفردانية.
وكان يرى أن التخطيط التربوي لا يمكن أن يقوم فقط على معالجة المشكلات القائمة، بل يجب أن يستند إلى قراءة معمقة للماضي والحاضر، وإلى محاولة بناء رؤية مستقبلية تأخذ في الحسبان التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ومن هنا جاءت دعوته المستمرة إلى بناء استراتيجية تربوية عربية، لا تكتفي بردود الفعل على سياسات وزارة التربية، بل تمتلك تصورًا ذاتيًا لمستقبل التعليم العربي.
إنتاج علمي واسع وتأثير يتجاوز الأكاديميا
نشر أبو عصبة عددًا كبيرًا من الكتب والدراسات والأبحاث بثلاث لغات، وتناولت أعماله قضايا التعليم العربي، التربية القيمية، الأطفال وأبناء الشبيبة في خطر، النساء العربيات في سوق العمل، التعليم العالي، العلاقات اليهودية العربية، والتخطيط الاجتماعي في البلدات العربية. كما شارك في تحرير كتب ودراسات جماعية، وكتب عشرات التقارير البحثية في مجالات اجتماعية وتربوية مختلفة.
ولم يبق أثره محصورًا في الأوساط الأكاديمية، إذ كان حاضرًا في الندوات العامة، والحوارات الصحفية، والنقاشات التربوية داخل المجتمع العربي. وقد اتسم خطابه بالجمع بين النقد والتحذير من جهة، وطرح البدائل والحلول من جهة أخرى. لذلك عُرف كباحث لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يدفع باتجاه بناء مؤسسات ومجالس تربوية محلية وقطرية قادرة على منح المجتمع العربي دورًا أكبر في تقرير مستقبل تعليمه.
التعليم كحصانة مجتمعية
من الأفكار التي رافقت مسيرته أن التربية هي الحصانة الأعمق للمجتمع. فقد فرّق بين التعليم بوصفه تحصيلًا وحراكًا اقتصاديًا، وبين التربية بوصفها عملية أوسع لبناء الإنسان، وترسيخ القيم، وتعزيز الانتماء، وحماية المجتمع من التفكك. وكان يرى أن نجاح الأفراد في الأكاديميا وسوق العمل يبقى محدود الأثر إذا لم ينعكس على الجماعة، وإذا لم يتحول إلى قوة اجتماعية تعود بالنفع على البلدات العربية ومؤسساتها.
كما حذر مرارًا من اتساع الفجوات بين الطبقة الوسطى والفئات المستضعفة داخل المجتمع العربي، وربط بين قضايا الفقر، والتسرب، والعنف، والسلوكيات الخطرة، وبين فشل السياسات العامة في التعامل مع جذور الأزمة. ولهذا خصص جانبًا مهمًا من أبحاثه لقضايا الأطفال والشباب في خطر، معتبرًا أن إنقاذ هذه الفئات شرط أساسي لتعافي المجتمع.
رحيل يترك فراغًا بحثيًا وتربويًا
برحيل البروفيسور خالد أبو عصبة، يفقد المجتمع العربي أحد أبرز الأصوات الأكاديمية التي تعاملت مع التعليم بوصفه قضية وجودية، لا ملفًا إداريًا أو مهنيًا عابرًا. فقد كان من الباحثين الذين نظروا إلى المدرسة العربية باعتبارها مرآة للمجتمع، وساحة لمعركة الهوية، ورافعة ممكنة للنهوض الجماعي.
وتأتي وفاته في وقت لا تزال فيه القضايا التي انشغل بها حاضرة بقوة: أزمة التعليم، تراجع القيم، اتساع العنف، تحديات الشباب، ضعف التخطيط، وغياب الرؤية الجامعة. ولذلك، فإن إرثه البحثي لا يبدو جزءًا من الماضي فحسب، بل مادة ضرورية للنقاش الحالي حول مستقبل المجتمع العربي ومؤسساته التعليمية.
لقد ترك خالد أبو عصبة وراءه كتبًا ودراسات وطلابًا وباحثين، لكنه ترك قبل ذلك سؤالًا مفتوحًا للمجتمع العربي: كيف يمكن تحويل التعليم من مسار فردي للنجاح إلى مشروع جماعي للنهوض والبناء والحفاظ على الهوية؟


