توفيت، قبل أيام، مريم سليمان، عن عمر ناهز ثلاثةً وثلاثين عامًا، وهي أم لطفلين من بلدة البعينة نجيدات، وذلك بعد عامٍ ونصف من معاناتها مع مضاعفات عملية شفط دهون خضعت لها سابقًا، في حادثة أعادت إلى الواجهة التحذيرات الطبية من مخاطر الجراحات التجميلية التي تُجرى دون الالتزام بالمعايير المهنية والطبية الصارمة.
وفي حديث خاص لراديو الناس، أوضح د. بيادر بلال، نائب مدير قسم الجراحة التجميلية في مستشفى مئير، الجوانب الطبية الخطيرة المرتبطة بعمليات شفط الدهون، مؤكدًا أن هذه الجراحات، رغم شيوع توصيفها على أنها “بسيطة”، قد تنطوي على مخاطر جسيمة تهدد حياة المرضى.
كيف تحدث المضاعفات؟
د. بيادر بلال: "شفط الدهون ليس إجراءً بسيطًا كما يُروَّج له"
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
10:11
وقال د. بلال إن عملية شفط الدهون تقوم على استخدام أجهزة خاصة لشفط الدهون من الجسم، موضحًا أن الدهون تكون عادةً محفوظة داخل خلايا مرتبطة ببنية تمنعها من الانتشار داخل مجرى الدم. وأضاف لراديو الناس: "خلال عملية الشفط، قد تتحرر بعض جزيئات الدهون من الخلايا وتتحول إلى قطرات دقيقة، تشبه في سلوكها الزيت عندما يختلط بالماء. هذه القطرات، إذا دخلت إلى الأوعية الدموية، فإنها لا تذوب، بل تنتقل مع الدم وقد تسد الشرايين".
وبيّن أن وصول هذه الدهون إلى الدماغ قد يؤدي إلى ما يشبه الجلطة الدماغية، بينما قد يتسبب وصولها إلى الرئتين بانسداد رئوي خطير، يمنع وصول الأكسجين إلى أنسجة الجسم رغم قدرة المريض على التنفس.
2 عرض المعرض


وفاة مريم احمد سليمان من البعينة نجيدات
(تُستخدم هذه الصورة بموجب البند 27 أ من قانون الحقوق الأدبية (2007))
مضاعفات معروفة وليست دائمًا خطأً طبيًا
وحول ما إذا كانت هذه الحالات تُصنّف كأخطاء طبية، أوضح د. بلال أن هذه المضاعفات معروفة طبيًا، ولا يمكن الجزم بأنها ناتجة عن إهمال بالضرورة.
وقال: "لا يوجد إجراء جراحي خالٍ من المخاطر بشكل مطلق، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين إجراء العملية وفق المعايير الصحيحة وبين إجرائها بطريقة عشوائية. كلما التزمنا بالخبرة الطبية، ومكان الإجراء، والرقابة المناسبة، تقلّصت احتمالات الخطر بشكل كبير".
وأكد أن الأطباء ملزمون بشرح جميع المضاعفات المحتملة للمرضى قبل إجراء العملية، إضافة إلى توقيع نماذج موافقة خطية تتضمن توضيح هذه المخاطر بشكل صريح.
وصف مضلل لعملية ليست بسيطة
وانتقد د. بلال في حديثه لراديو الناس، الترويج الواسع لعمليات شفط الدهون على أنها إجراءات سهلة وبسيطة، محذرًا من خطورة هذا التوصيف. وقال: "رغم أن كثيرين ينظرون إلى شفط الدهون كإجراء تجميلي بسيط، فإن الحقيقة الطبية مختلفة تمامًا. هذه عملية جراحية كاملة، لا تقل أهمية أو خطورة عن عمليات كبرى أخرى، وتتطلب دقة عالية وتجهيزًا مناسبًا".
وشدد على أن أي تدخل جراحي داخل غرفة عمليات، وتحت التخدير، يحمل في طياته احتمالات لمضاعفات خطيرة إن لم يُنفّذ بالشكل الصحيح.
وتطرق نائب مدير قسم الجراحة التجميلية إلى تعليمات وزارة الصحة، موضحًا أن هناك قيودًا واضحة على كميات الدهون التي يُسمح بشفطها خارج غرف العمليات.
وأوضح: "وزارة الصحة تسمح بشفط حتى مئتي سنتيمتر مكعب فقط من الدهون تحت التخدير الموضعي داخل العيادات الخاصة. أي كمية تتجاوز ذلك تتطلب غرفة عمليات كاملة وتنويمًا عامًا بإشراف طبيب تخدير مختص".
وللتوضيح، شبّه د. بلال هذه الكمية بعلبة مشروب غازي، قائلاً إن المئتي سنتيمتر مكعب تعادل نحو ثلثي علبة فقط، مؤكدًا أن تجاوز هذا الحد دون توفر الشروط اللازمة يشكل خطرًا حقيقيًا على حياة المريض.
دور طبيب التخدير والجراح
وأكد د. بلال أن التنويم الكامل لا يقتصر على إعطاء التخدير فحسب، بل يشمل مراقبة شاملة للوظائف الحيوية، مثل نبض القلب، وضغط الدم، والتنفس، ووظائف الكلى. وقال: "طبيب التخدير مسؤول عن سلامة المريض طوال العملية، بينما تقع على عاتق الجراح مسؤولية تنفيذ الإجراء بدقة، واستخدام التقنيات الصحيحة، وإعطاء الأدوية المناسبة لتقليل المخاطر".
نصائح للمرضى قبل اتخاذ القرار
وفي ختام حديثه، وجه د. بيادر بلال جملة من النصائح المهمة لكل من يفكر في الخضوع لعمليات تجميلية، مؤكدًا ضرورة عدم الانجرار وراء الإعلانات أو الأسعار المغرية.
وقال: "لا داعي للخوف، لكن في الوقت نفسه لا يجوز الاستهتار. القرار يجب أن يكون واعيًا ومدروسًا، والأهم هو اختيار جراح تجميل مختص، وليس أي شخص يقدّم نفسه على أنه قادر على إجراء هذه العمليات". وأضاف أن على المرضى طرح جميع الأسئلة التي تشغلهم، والبحث المسبق عن المعلومات، ثم مناقشتها مع الطبيب المختص، حتى يكون القرار مبنيًا على معرفة كاملة.
كما حذّر من إجراء العمليات خارج البلاد دون متابعة لاحقة، مشيرًا إلى أن غياب المتابعة الطبية في حال حدوث مضاعفات قد يشكل خطرًا مضاعفًا على صحة المريض.


