مهمة مأهولة جديدة إلى مدار القمر تعيد الولايات المتحدة إلى واجهة السباق الفضائي

أربعة رواد انطلقوا في رحلة تستمر عشرة أيام حول القمر ضمن "أرتيميس 2"، في خطوة تمهد لعودة الهبوط البشري على سطحه وإقامة وجود دائم تمهيدا لرحلات مستقبلية إلى المريخ 

1 عرض المعرض
ظاهرة القمر الدموي
ظاهرة القمر الدموي
ظاهرة القمر الدموي
(Hadas Parush/Flash90)
في خطوة وُصفت بأنها بداية مرحلة جديدة في استكشاف الفضاء، انطلقت مساء الأربعاء مهمة مأهولة جديدة إلى مدار القمر، هي الأولى من نوعها منذ أكثر من خمسة عقود، حاملة على متنها ثلاثة رواد فضاء أميركيين ورائد فضاء كنديا في رحلة تمتد لعشرة أيام حول القمر من دون هبوط على سطحه.
وتحمل المهمة اسم "أرتيميس 2"، وقد انطلقت من مركز كينيدي الفضائي في ولاية فلوريدا، وسط اهتمام واسع من الأوساط العلمية والجمهور، حيث احتشد عدد كبير من المتابعين قرب موقع الإطلاق لمشاهدة الحدث الذي يُنظر إليه على أنه محطة مفصلية في برنامج العودة البشرية إلى القمر.
وقال أحد أفراد الطاقم قبيل الإقلاع إن الرحلة تمثل خطوة باسم البشرية جمعاء، في إشارة إلى الطابع الرمزي والعلمي للمهمة، فيما اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن انطلاقها يؤكد عودة الولايات المتحدة بقوة إلى القمر وإلى صدارة المنافسة في الفضاء.

خطوة تمهيدية قبل الهبوط على القمر

وتهدف هذه الرحلة إلى نقل الرواد إلى مدار القمر والعودة بهم بسلام إلى الأرض، من دون تنفيذ عملية هبوط هذه المرة، على أن تشكل المهمة تمهيدا لرحلة لاحقة يُفترض أن تشهد عودة الإنسان إلى سطح القمر خلال السنوات المقبلة.
ويعد برنامج "أرتيميس" امتدادا لمرحلة جديدة من الطموحات الأميركية في الفضاء، إذ يستهدف في نهاية المطاف إقامة وجود بشري دائم على سطح القمر، واستخدامه لاحقا كنقطة انطلاق لبعثات أبعد نحو المريخ. إلا أن هذا البرنامج واجه خلال السنوات الأخيرة تأخيرات متعددة على المستويين التقني والزمني.

عودة إلى مشهد يذكّر بعصر "أبولو"

وتعيد هذه المهمة إلى الأذهان رحلة "أبولو 8" التي كانت أول مهمة مأهولة تدور حول القمر عام 1968، قبل أن يتحقق أول هبوط بشري على سطحه في مهمة "أبولو 11" عام 1969. أما آخر رحلة مأهولة إلى سطح القمر فكانت "أبولو 17" في عام 1972، لتبقى منذ ذلك الحين الرحلات البشرية إلى القمر متوقفة.
ومن هذا المنطلق، ينظر إلى "أرتيميس 2" على أنها محاولة لإحياء الزخم الذي رافق عصر "أبولو"، ولكن في سياق جديد يرتبط بحسابات علمية وتقنية واستراتيجية أكثر تعقيدا.

سباق فضائي جديد تحت ضغط المنافسة

ولا تنفصل هذه المهمة عن التنافس الدولي المتزايد في مجال الفضاء، إذ تأتي في ظل تسارع الخطط الصينية لإرسال بعثة مأهولة إلى القمر خلال السنوات المقبلة، ما يضيف بعدا استراتيجيا إلى البرنامج الأميركي ويزيد من أهمية نجاحه.
وقد سميت المهمة "أرتيميس" نسبة إلى الإلهة اليونانية، شقيقة "أبولو"، في دلالة رمزية على الانتقال من إرث الرحلات القمرية القديمة إلى مرحلة جديدة من الاستكشاف. وتطمح الولايات المتحدة من خلالها إلى تثبيت حضورها في السباق الفضائي العالمي، ليس فقط من خلال الدوران حول القمر، بل عبر بناء قاعدة مستقبلية على سطحه.

مخاطر تقنية وتحديات كبرى

ورغم الطابع الاحتفالي للمهمة، فإنها لا تخلو من المخاطر، إذ إن المركبة المستخدمة لم يسبق أن نقلت روادا في مهمة بعيدة خارج مدار الأرض من قبل. كما أن بلوغ مسافة تتجاوز 384 ألف كيلومتر عن الأرض يضع الطاقم أمام تحديات تقنية وبشرية أكبر بكثير من تلك المرتبطة بالرحلات إلى محطة الفضاء الدولية.
ويرى خبراء أن الهدف المعلن بالوصول إلى هبوط بشري جديد على سطح القمر خلال عام 2028 يظل طموحا وصعب التحقيق، خاصة أن بعض العناصر الأساسية، وفي مقدمتها مركبة الهبوط القمرية، ما زالت في مراحل التصميم والتطوير.

رهان على إلهام جيل جديد

إلى جانب أهدافها العلمية والاستراتيجية، تراهن هذه المهمة أيضا على استعادة وهج الحلم الفضائي في الوعي العام، وإلهام جيل جديد من الأطفال والشباب للاهتمام بالفضاء والعلوم. ويأمل القائمون على البرنامج أن تعيد المهمة إنتاج لحظة عالمية جامعة شبيهة بما شهده العالم في أواخر ستينيات القرن الماضي، حين تابع الملايين الرحلات القمرية بوصفها رمزا للتقدم والأمل.
وبذلك، تمثل "أرتيميس 2" أكثر من مجرد رحلة حول القمر؛ فهي اختبار لقدرة الولايات المتحدة على استعادة زمام المبادرة في الفضاء، وبداية عملية لمسار طويل قد يقود إلى عودة الإنسان إلى القمر، ثم إلى فتح الطريق مستقبلا نحو الكوكب الأحمر.