فرنسا تستعد لموجة احتجاجات جديدة: ماكرون يقيّد التظاهرات والجيش ينتشر في الشوارع

تستعد فرنسا لموجة جديدة من الاحتجاجات، السبت المقبل، وسط إجراءات أمنية مشددة وقيود على التظاهرات، بعد أعمال عنف واسعة شهدتها البلاد الأسبوع الماضي، وأسفرت، وفق بيانات السلطات الفرنسية، عن إصابة نحو ألف عنصر أمن وتضرر آلاف المحال التجارية واعتقال أكثر من 2500 شخص. 

2 عرض المعرض
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
(تصوير: البيت الأبيض)
أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الخميس، فرض قيود على التجمعات والتظاهرات التي وصفها بأنها "غير مشروعة"، في خطوة تهدف إلى منع تجدد أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات الواسعة في عدد من المدن الفرنسية، وعلى رأسها العاصمة باريس. وجاء الإعلان عقب اجتماع طارئ عقده ماكرون في قصر الإليزيه، بمشاركة وزراء ومسؤولين كبار في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، لبحث الاستعدادات لموجة احتجاجات جديدة مرتقبة يوم السبت. واتهم ماكرون مجموعات من اليسار المتطرف بالوقوف وراء أعمال العنف، قائلًا: "شهدنا السبت الماضي أعمالًا سياسية تخريبية نفذتها مجموعات من اليسار المتطرف، هدفها إسقاط الجمهورية". وأشار إلى أنه سيعقد اجتماعًا لمجلس الدفاع، الجمعة، لاتخاذ قرارات إضافية بشأن الإجراءات الأمنية. وبحسب التوجيهات المعلنة، ستُسمح التظاهرات المنظمة من قبل جهات معروفة، مثل النقابات العمالية، مع إخضاع مساراتها لتعديلات تهدف إلى حماية المحال التجارية والمباني العامة.
2 عرض المعرض
حشود في باريس وسط الغاز المسيل للدموع
حشود في باريس وسط الغاز المسيل للدموع
حشود في باريس وسط الغاز المسيل للدموع
(ويكيميديا)
تعزيز الانتشار الأمني بمشاركة الجيش تعتزم السلطات الفرنسية زيادة انتشار قوات الأمن بنسبة 20% مقارنة بالأسبوع الماضي، عندما شارك نحو 60 ألف شرطي في تأمين المدن الفرنسية. وتشمل التعزيزات المرتقبة نشر جنود من عملية "سانتينيل" العسكرية، المخصصة للمساعدة في حماية المواقع الحساسة ومكافحة التهديدات الإرهابية، إلى جانب وحدات شرطة خاصة ومروحيات ومركبات مدرعة. ووصف رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو الاستعدادات بأنها "عملية أمنية واسعة النطاق"، تهدف إلى منع تكرار أعمال العنف والنهب التي شهدتها البلاد. وتأتي هذه الإجراءات في ظل مخاوف من اتساع رقعة الاحتجاجات وتحولها مجددًا إلى مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن.
حظر التظاهرات في ليون وقيود واسعة في باريس اتخذت السلطات المحلية في عدة مدن فرنسية إجراءات استثنائية استعدادًا ليوم السبت. ففي مدينة ليون، أعلنت السلطات حظر جميع التظاهرات المقررة، بينما فرضت شرطة باريس قيودًا على التجمعات والمسيرات في مناطق حساسة، بينها محيط قصر الإليزيه والبرلمان ومحطات القطارات الرئيسية وشارع الشانزليزيه ومتحف اللوفر. وشملت الإجراءات إغلاق بعض محطات المترو، ودعوة أصحاب المحال التجارية إلى اتخاذ تدابير وقائية لحماية ممتلكاتهم. كما طلبت بلدية باريس إزالة حاويات النفايات والأثاث الخارجي والدراجات من الشوارع، وإبعاد مواد البناء والحواجز التي قد تُستخدم خلال المواجهات. وامتدت قرارات حظر التظاهرات أو تقييدها إلى مدن أخرى، بينها ليل وغرونوبل ولو مان وروان ولوهافر وتولون. وفي مدينة أورليان، تستعد قوات الأمن لاحتمال وقوع مواجهات على خلفية مؤتمر لحزب "التجمع الوطني" اليميني، بالتزامن مع احتجاجات تعتزم تنظيمها نقابات وجماعات يسارية.
القضاء يلغي حظر مظاهرة طلابية في باريس في تطور يعكس تصاعد الخلاف بشأن حدود الحق في التظاهر، ألغت المحكمة الإدارية في باريس، اليوم الخميس، قرارًا للشرطة بمنع مظاهرة طلابية منظمة. وجاء القرار عقب التماس قضائي عاجل، ما سمح للمتظاهرين بالخروج إلى شوارع العاصمة انطلاقًا من محيط مستشفى بيتييه سالبيتريير. واعتبرت منظمات طلابية أن الإجراءات الحكومية تمثل مساسًا بالحريات المدنية وحق المواطنين في الاحتجاج السلمي.
ألف شرطي مصاب وآلاف المحال المتضررة تأتي الاستعدادات الأمنية بعد أعمال العنف التي شهدتها فرنسا في 17 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، على هامش تظاهرات شارك فيها أكثر من نصف مليون شخص، وفق الأرقام الواردة في التقرير. وبحسب بيانات السلطات الفرنسية، أسفرت الاضطرابات عن إصابة نحو ألف شرطي وعنصر أمن، وتضرر أو نهب أكثر من 3000 محل تجاري، بينها نحو 450 محلًا في باريس وحدها. كما سُجلت حرائق في مركبات ودراجات وحاويات نفايات، إلى جانب أضرار واسعة في الممتلكات العامة والخاصة. وأعلنت السلطات تنفيذ أكثر من 2500 عملية اعتقال، فيما أفاد وزير العدل جيرالد دارمانان بأن أكثر من 900 مشتبه به يخضعون لإجراءات قضائية سريعة، وأن 174 شخصًا أُودعوا السجن. وفي مدينة ليموج، اعتقلت الشرطة شخصين للاشتباه في ضلوعهما بإضرام النار في مبنى البلدية، في قضية تتضمن شبهات بمحاولة قتل عناصر شرطة كانوا داخل المبنى. ودفعت الأضرار أصحاب المحال التجارية في باريس إلى تدعيم واجهات متاجرهم بألواح خشبية، بينما أعلنت شركة "هيرميس" الفرنسية للمنتجات الفاخرة تعزيز الإجراءات الأمنية في فروعها، عقب تعرض أحد متاجرها في مرسيليا للنهب والتخريب.
من احتجاج طلابي إلى حركة واسعة ضد غلاء المعيشة بدأت موجة الاحتجاجات الحالية، بحسب التقرير، خلال شهر أيلول/سبتمبر الماضي، على خلفية احتجاج محلي في مدرسة ثانوية بمدينة كريتاي، قرب باريس، بسبب نقص الكوادر التعليمية. وسرعان ما توسعت الاحتجاجات لتشمل مطالب طلابية تتعلق بأوضاع المدارس والبنية التحتية ونظام القبول الجامعي، قبل أن تتحول إلى حركة احتجاجية أوسع ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة وتراجع القدرة الشرائية وتدهور الخدمات العامة. ودعت منظمات طلابية إلى مواصلة التظاهر خلال عطلة الخريف، فيما يستعد ناشطون من حركة "السترات الصفراء"، التي برزت في فرنسا عام 2018، للمشاركة في التحركات المقبلة. وفي السياق ذاته، أعلنت نقابات عمالية عزمها تنظيم إضراب عام جديد في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، احتجاجًا على ما تعتبره غياب حلول حكومية ملموسة للأزمة الاجتماعية والاقتصادية.
مواجهة سياسية بين الحكومة واليسار أثارت تصريحات ماكرون بشأن مسؤولية مجموعات من اليسار المتطرف عن أعمال العنف ردود فعل سياسية حادة. ووجّه حزب "فرنسا الأبية" اليساري رسالة إلى رئيس الوزراء، طالب فيها باعتذار رسمي، متهمًا الحكومة بمحاولة التنصل من مسؤوليتها عن الأزمة عبر تحميل المعارضة مسؤولية الاضطرابات. كما اتهم الحزب السلطات بممارسة ضغوط غير مشروعة على أجهزة الاستخبارات، وهي اتهامات نفتها الحكومة الفرنسية. وتأتي هذه المواجهة السياسية قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وسط تصاعد الاستقطاب بين الحكومة وأحزاب المعارضة.
تداعيات اقتصادية وتحذيرات سفر دولية لم تقتصر تداعيات الاحتجاجات على الوضع الأمني والسياسي، بل امتدت إلى الأسواق المالية والقطاع السياحي. وبحسب التقرير، تجاوزت عوائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات نظيرتها الأمريكية للمرة الأولى منذ عام 2013، في مؤشر على تصاعد قلق المستثمرين بشأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد. كما أصدرت عدة دول آسيوية، بينها تايلاند وماليزيا، تحذيرات سفر لمواطنيها، دعت فيها إلى تجنب الرحلات غير الضرورية إلى المناطق التي تشهد اضطرابات. ودعت الصين مواطنيها الموجودين في فرنسا إلى توخي الحذر واتخاذ إجراءات السلامة اللازمة. ومع اقتراب موعد احتجاجات السبت، تواجه السلطات الفرنسية تحديًا يتمثل في منع تجدد أعمال العنف، مع الحفاظ على حق التظاهر السلمي، وسط استمرار الخلافات السياسية بشأن أسباب الأزمة وسبل معالجتها.