حفلات التخرج في المجتمع العربي: فرحة مستحقة أم سباق استعراض ومظاهر؟

بين تأكيد حق الخريجين في الاحتفال وتحذيرات من تحوّل المناسبة إلى عبء اجتماعي واقتصادي، يتجدد النقاش حول ضرورة إبقاء الفرح ضمن حدود معقولة تراعي جميع العائلات 

1 عرض المعرض
حفلات التخرج بين حق الفرح وسباق المظاهر
حفلات التخرج بين حق الفرح وسباق المظاهر
حفلات التخرج بين حق الفرح وسباق المظاهر
(AI)
تتحوّل حفلات التخرج في المجتمع العربي، عامًا بعد عام، من مناسبة للاحتفاء بإنهاء مرحلة دراسية طويلة، إلى ظاهرة اجتماعية تثير نقاشًا واسعًا حول حدود الفرح وكلفته. وبين من يرى فيها حقًا مشروعًا للطلاب وعائلاتهم بعد سنوات من الدراسة والتعب، ومن يعتبر أن بعض مظاهرها باتت أقرب إلى سباق اجتماعي في البذخ والهدايا والمقارنات، يتصاعد الجدل بشأن الحاجة إلى إعادة تنظيم هذه المناسبات بما يحفظ معناها الحقيقي.
ويأتي هذا النقاش في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية ضاغطة تعيشها عائلات كثيرة، إلى جانب ما مرّ به الطلاب خلال السنوات الأخيرة من أزمات متلاحقة، بينها جائحة كورونا، التعليم عن بُعد، والحروب المتعاقبة التي أثّرت على المسار التعليمي والنفسي للطلاب.

خريجون بين الفرح والوعي الاجتماعي

جريس الياس: من حق الطلاب أن يفرحوا بها بعد 12 عامًا من الدراسة
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
05:52
جريس الياس، رئيس مجلس الطلاب في المدرسة المعمدانية "الأميركان" في الناصرة، والذي يستعد مع زملائه للاحتفال بتخرجهم، أكد أن التخرج مناسبة لا تتكرر، ومن حق الطلاب أن يفرحوا بها بعد 12 عامًا من الدراسة.
وقال الياس إن "التخرج لا يحدث مرتين، ومن حق الطالب بعد 12 عامًا من الدراسة أن يحتفل مع عائلته وأصدقائه"، مشيرًا إلى أن جيله مرّ بظروف استثنائية، بينها جائحة كورونا والحروب، وحتى التخوف في مراحل معينة من عدم إقامة حفلات تخرج أصلًا.
لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن يبقى الاحتفال ضمن حدود المعقول، بعيدًا عن الإسراف والمظاهر المبالغ فيها. وأضاف: "أي احتفال يجب أن يكون ضمن المعقول، من دون بذخ أو إسراف أو إزعاج. الفرح ليس بمن يقيم الحفلة الأكبر، بل بلمّة العائلة والأصدقاء".
وأشار الياس إلى أن بعض الطلاب يفضلون الاكتفاء بجلسة عائلية بسيطة في البيت، معتبرًا أن جوهر المناسبة لا يرتبط بحجم الحفل أو قيمة الهدايا، بل بالمشاركة العائلية والاجتماعية وبالشعور بالإنجاز.

طمرة: دعوات لمراعاة شعور العائلات

أيمن مريح: الطلاب يستحقون الاحتفال لكن وجب عدم الانجرار وراء المظاهر المبالغ فيها
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
08:22
من جانبه، قال أيمن مريح، رئيس لجنة أولياء أمور الطلاب العامة في طمرة، إن الطلاب الذين أنهوا المرحلة الثانوية يستحقون التكريم والاحتفاء بعد سنوات طويلة على مقاعد الدراسة، لكنه دعا في الوقت ذاته إلى عدم الانجرار وراء المظاهر المبالغ فيها.
وأكد مريح أن "من واجب الطواقم التدريسية ولجان أولياء الأمور منح الطلاب حقهم في التكريم، لكننا نطلب من الأهالي مراعاة الظروف وتجنب الإسراف والتبذير". وأضاف أن أكبر هدية قد تقدم للطالب يمكن أن تكون "باقة ورد تعبّر عن الفخر والدعم"، بدل الهدايا باهظة الثمن التي قد تضع طلابًا آخرين في موقع المقارنة أو الإحراج.
وأوضح أن بعض مظاهر التفاخر، مثل تقديم الذهب أو مفاتيح السيارات أمام الطلاب، قد تخلق ضغطًا اجتماعيًا على عائلات لا تستطيع مجاراة هذه المظاهر، مؤكدًا أن الكثير من الأهالي في طمرة باتوا أكثر وعيًا لهذه المسألة.
وقال مريح: "هذه الهدايا لا تضيف إلى فرحة الطالب بقدر ما قد تتحول إلى عبء على عائلات أخرى غير قادرة. المطلوب أن يبقى الاحتفال في إطاره الطبيعي والإنساني".

دور للمدارس ولجان الأهالي في ضبط الظاهرة

ويؤكد مريح أن لجان أولياء الأمور تستطيع أن تلعب دورًا مهمًا في ضبط هذه الظاهرة داخل المدارس، خصوصًا في ما يتعلق بشكل الاحتفال الرسمي، بحيث تبقى حفلات التخرج مناسبة تربوية واجتماعية لا ميدانًا للمنافسة بين العائلات.
وأشار إلى أن الاحتفالات المدرسية في طمرة تقام غالبًا في ساحات المدارس، أو في قاعات عند وجود ظروف طارئة، مع الحرص على أن تبقى ضمن برنامج بسيط يشمل كلمات ترحيبية وتكريمًا للطلاب، دون مبالغات أو مظاهر استعراضية.
وأضاف أن بعض الأهالي الذين حاولوا إدخال هدايا ثمينة إلى حفلات التخرج استجابوا لتوجهات لجان الأهالي بعد توضيح حساسية الأمر، قائلا إن "كثيرين تفهموا أن هذه الهدايا يمكن تقديمها داخل البيت، وليس أمام زملاء الصف".

غياب جهد قطري موحد

وفي السياق ذاته، دعا مريح إلى جهد أوسع على مستوى المجتمع العربي لتنظيم هذه الظاهرة، معتبرًا أن العمل المحلي وحده لا يكفي، وأن هناك حاجة إلى قرار جماعي تشارك فيه لجان أولياء الأمور في مختلف البلدات. وقال إن "هناك غيابًا للجهود القطرية في هذا الملف، والمطلوب جمع لجان أولياء الأمور المحلية والخروج بقرار موحد يحفظ صورة طلابنا ومدارسنا ومجتمعنا".
ورأى أن الهدف ليس منع الطلاب من الفرح، بل منع تحوّل المناسبة إلى مساحة ضغط اجتماعي، خصوصًا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة واتساع الفجوات بين العائلات.

جيل تخرّج وسط أزمات متلاحقة

وتوقف المتحدثان عند خصوصية هذا الجيل من الخريجين، الذي عايش سنوات دراسية غير عادية، بدأت بجائحة كورونا والتعليم عن بُعد، مرورًا بالحروب والأوضاع الأمنية، وصولًا إلى أجواء العنف والجريمة التي تؤثر على المجتمع عمومًا.
وقال جريس الياس إن هذه السنوات كانت صعبة، لكنها حملت أيضًا الكثير من التجارب والذكريات، مضيفًا أن يوم التخرج يشكل لحظة فرح كبيرة للطلاب بعد مرحلة طويلة من التحديات.
أما مريح فأكد أن الطلاب يستحقون التكريم لأنهم واصلوا تعليمهم رغم ظروف غير سهلة، مشيرًا إلى أن بعضهم عانى من نقص في الوسائل التعليمية خلال فترة التعليم عن بُعد، سواء بسبب ضعف الإمكانيات الاقتصادية أو عدم توفر الحواسيب وشبكات الإنترنت بالشكل المطلوب.
وقال: "رغم كورونا، والحروب، والتعليم عن بُعد، وشح الميزانيات، استطاع الطلاب أن يحققوا تحصيلًا علميًا، ولذلك هم يستحقون حفل تخرج يليق بهم، لكن من دون مبالغة أو إسراف".
First published: 16:50, 07.06.26