أظهرت دراسة حديثة صادرة عن الجامعة العبرية في القدس تدهورًا ملحوظًا في عادات الصحة لدى الأهالي خلال الحرب على إيران، تمثل في تراجع النوم والنشاط البدني، مقابل ارتفاع استهلاك الأطعمة المصنعة والتدخين والكحول، إلى جانب زيادة استخدام الشاشات لدى الأطفال. وفي هذا السياق، حذر مدير المستشفى الإنجليزي في الناصرة، بروفيسور فهد حكيم، من أن هذه التحولات لا ينبغي التعامل معها بوصفها تغييرات عابرة، بل باعتبارها مؤشرات مقلقة قد تقود، إذا استمرت، إلى مشكلات صحية ونفسية أعمق على المدى البعيد.
تراجع الروتين وارتفاع القلق
بروفيسور فهد حكيم: تحذير من أمراض مزمنة إذا استمرت العادات السيئة
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
10:48
وقال بروفيسور حكيم إن النتائج التي عكستها الدراسة لم تكن مفاجئة، بل بدت امتدادًا طبيعيًا لما يحدث في فترات الحروب والأزمات الطويلة، حين يبتعد الأطفال عن المدارس، ويضطرب الروتين اليومي، وتدخل العائلات في حالة من القلق الدائم. وأضاف: "ما سمعناه في هذه الدراسة ليس غريبًا علينا، فقد رأيناه أيضًا في فترة كورونا، وفي كل مرحلة عشنا فيها حروبًا أو توترًا مستمرًا". وأوضح أن غياب السيرورة اليومية الطبيعية يدفع الأهل، في كثير من الأحيان، إلى اللجوء إلى الشاشات كحل سريع لتهدئة الأطفال أو إشغالهم، في وقت يكون فيه الكبار أنفسهم تحت ضغط نفسي كبير.
وأشار إلى أن الأطفال لا يتأثرون فقط بما يشاهدونه، بل أيضًا بما يلتقطونه من مشاعر ذويهم وسلوكهم، قائلًا: "الأولاد يشعرون بنا كأهل، يشعرون بخوفنا وتوترنا، ومن الطبيعي أن نكون خائفين، لكن هذا القلق ينعكس عليهم أيضًا". ولفت إلى أن هذا المناخ المشحون يدفع كثيرين إلى البحث عن وسائل سريعة للتخفيف من التوتر، من بينها الأكل المرتبط بالمشاعر، ولا سيما الأطعمة الغنية بالسكر والدهون.
الشاشات... بين الحاجة والضرر
وتطرّق حكيم إلى ما أظهرته الدراسة بشأن ارتفاع وقت استخدام الشاشات لدى 85% من الأطفال، موضحًا أن الشاشات ليست شرًا مطلقًا، لكنها تتحول إلى عامل ضار عندما تغيب الضوابط. وقال: "الشاشات فيها جانب جيد وجانب سيئ في الوقت نفسه. فهي جزء من عالم الطفل اليوم، لكن المهم أن نحدد مدة استخدامها، وأن نحدد أيضًا نوعية المضامين التي يتعرض لها الطفل". وأضاف أن الانكشاف المستمر على الأخبار والمشاهد المثيرة للقلق يجعل الطفل في حالة استنفار دائم، ويزيد من توتره وصعوبة نومه وتركيزه.
ودعا الأهالي إلى التحضير المسبق لفترات الطوارئ، بدل الانجرار إلى الفوضى عند كل تصعيد، موضحًا أن معرفة مكان الأمان، وتحديد ما يجب فعله عند سماع الإنذارات، وتخفيف التعلق المستمر بالشاشات داخل الغرف الآمنة، كلها خطوات تساعد في تقليل التوتر. وقال: "من المهم أن نحضّر لهذه الأمور بشكل دوري، وألا نسمح لأنفسنا بإدخال أولادنا إلى هذه الحالة من الفوضى من دون استعداد".
الأكل العاطفي وتداعياته الصحية
وأكد حكيم أن التوتر لا يغيّر السلوك النفسي فقط، بل يؤثر أيضًا في استجابة الجسم، ويزيد الميل إلى الأكل غير الصحي. وقال: "حين يرتفع القلق، يبحث الجسم عن طاقة سريعة، فيميل الإنسان إلى السكريات والوجبات غير الصحية، وهذا أمر مرتبط أيضًا بالمشاعر". ودعا الأهالي إلى عدم ترك الخيارات الغذائية رهينة للضغط أو السهر، بل إلى تجهيز بدائل صحية داخل البيت، مثل الخضروات والفواكه، بدل الأطعمة المليئة بالدهون والسكر. وأضاف: "إذا كان الأطفال سيأكلون في هذه المرحلة، فلنضع على الطاولة طعامًا صحيًا، لا أطعمة زائدة الدسم أو السكر".
وأشار إلى أن هذه العادات لا تنعكس فقط على الوزن، بل ترفع أيضًا مخاطر الإصابة بأمراض ومضاعفات صحية أخرى، خاصة لدى من يعانون أصلًا من أمراض مزمنة. ولفت إلى أن المستشفيات رصدت خلال هذه الفترات ارتفاعًا في بعض الحالات المرتبطة بالتوتر، مثل اضطراب السكري، والجلطات الدماغية، والجلطات القلبية، إلى جانب تفاقم أوضاع صحية قائمة.
"رتبوا الفوضى" بعد الحرب
وفي ما يشبه خريطة طريق للعائلات بعد انتهاء فترات التصعيد، شدد بروفيسور حكيم على ضرورة استغلال هذه المرحلة لإعادة ترتيب الحياة اليومية. وقال: "النصيحة الأهم الآن هي أن نستغل هذه المرحلة من أجل ترتيب الفوضى التي سمعنا عنها في البحث". وأوضح أن المقصود بذلك هو إعادة تنظيم ساعات النوم، وتخفيف استخدام الشاشات، والعودة إلى النشاط البدني، ومراجعة السلوكيات الضارة مثل التدخين والكحول، وعدم التعامل مع ما حدث وكأنه أمر عابر لا يحتاج إلى تصحيح.
وأضاف أن استعادة الروتين يجب أن تشمل الأطفال والأهالي وكبار السن على حد سواء، لأن الجميع تأثر بدرجات مختلفة. وقال: "حين يعود الأطفال إلى المدارس، يجب أن نرتب ساعات نومهم من جديد، وكذلك نحن كأهل، وأن ننظر أيضًا إلى كبار السن وما يمرون به، لأن لهذا الوضع تأثيرًا نفسيًا وصحيًا كبيرًا عليهم".
تحذير من أمراض مزمنة إذا استمرت العادات السيئة
وحذر حكيم من أن الاستمرار في قلة النوم، وسوء الغذاء، وغياب الحركة، وارتفاع التوتر، قد يقود إلى مشكلات مزمنة بمرور الوقت. وقال: "إذا لم يكن لدى الإنسان سكري فقد يصبح لديه سكري، وإذا لم يكن لديه ضغط فقد يصاب بارتفاع الضغط". وأضاف أن اضطراب النوم والعصبية وضعف التركيز والحوادث المنزلية أو اليومية قد تكون كلها جزءًا من سلسلة تداعيات تبدأ من نمط حياة مضطرب، ثم تتراكم يومًا بعد يوم حتى تتحول إلى مشكلة صحية مزمنة.
ومع ذلك، أبدى حكيم قدرًا من التفاؤل، مؤكدًا أن الجسم قادر على استعادة توازنه إذا حصل على الدعم الصحيح. وقال: "جسمنا قوي جدًا، وخلق بطريقة ذكية، ويمكنه أن يعود إلى حالته الطبيعية إذا ساعدناه قليلًا". وشدد على أهمية طلب الاستشارة من المختصين عند الحاجة، سواء في مجالات طب الأطفال أو الطب النفسي أو الإرشاد الصحي، مؤكدًا أن المجتمع لا يحتاج فقط إلى رصد الأضرار، بل إلى خطوات عملية وسريعة للحد منها.


