على مدى عقود، بدا النجاح بالنسبة لنجوم الغناء العرب هدفًا يستحقّ المطاردة؛ أغانٍ وألبومات وعروض وحفلات، وسباقَا لا ينتهي نحو القمّة. هذا النشاط الفنّي، على ما يبدو، ورغم استمراريّته، يأخذ صورةً مختلفة لدى بعض الفنانين مع تقدّمهم في العمر؛ فبدل الحديث عن القمّة التالية، نسمعهم يتحدّثون عن الأشياء التي خسروا جزءًا منها في الطريق: الراحة والوقت والخصوصية، وحتى القدرة على العيش بعيدًا عن الصورة التي صنعها لهم الجمهور.
وخلال الفترة الأخيرة، قدّم كلٌّ من كاظم الساهر وصابر الرباعي نموذجين مختلفين لهذه المرحلة، فتحدّث أحدهما عن السلام بعد عقود من الشهرة، والآخر بدأ يفكّر في موعد مغادرة المسرح قبل أن يفرض الزمن قراره عليه.
"الفنان مسجون"
في ظهوره الأخير ضمن برنامج "ABtalks"، بدا كاظم الساهر أقلّ انشغالًا بالحديث عن ألبوماته أو نجاحاته الفنية، وأكثر ميلًا للتأمّل في حياته الشخصية ومسيرته الطويلة. ومن بين أكثر التصريحات التي أثارت الانتباه، حديثه عن زيارة قديمة جمعته بالسيدة فيروز في بدايات مشواره الفنّي؛ فبينما كان يتطلّع إلى لقاء إحدى أهمّ أيقونات الغناء العربي، خرج من الزيارة وهو يفكّر في شيء آخر تمامًا.
في حديثه، يقول الساهر إنه شعر يومها بأنّ الفنان يدفع ثمنًا باهظًا مقابل نجاحه، وأنّ الشهرة تحوّل صاحبها أحيانًا إلى أسير للصورة التي يرسمها له الجمهور. وأضاف، أنّ الفنان يبقى مطالبًا بالحفاظ على تلك الصورة مهما تغيّرت ظروفه أو مشاعره أو حتى شخصيته. وربّما، لهذا السبب، اختصر علاقته بالشهرة بجملة لافتة: "الفنان مسجون". فبالنسبة إليه، لم تأخذ الشهرة منه الموسيقى التي أحبّها، لكنّها أخذت جزءًا كبيرًا من راحته وحرّيته، وفرضت عليه حالة دائمة من التوتر والمسؤولية تجاه جمهور ينتظر منه أن يبقى دائمًا بالصورة التي عرفه من خلالها.
السلام الداخلي أولوية
ولم يكن حديث الساهر عن الشهرة منفصلًا عن نظرته الحالية للحياة. فالرجل، الذي أمضى سنوات طويلة بين الحفلات والجولات الفنية، يقول اليوم إنه لم يعد بحاجة إلى إثبات نفسه، وإنّ أكثر ما يبحث عنه في هذه المرحلة هو "السلام". كما تحدّث بصراحة عن شعوره بالذنب بعد عدد من الخسارات الشخصية التي عاشها، وعن الألم الذي رافقه بعد وفاة أم أولاده وعدد من أفراد عائلته وأصدقائه، مؤكّدًا أن بعض أنواع الفقد "تكسر في الإنسان شيئًا لا يتصلّح".
وكشف أيضًا أنه يخضع بثبات لعلاج نفسي، في محاولة للتعامل مع الحزن والشعور المستمرّ بمحاسبة الذات.
ولربّما أكثر اللحظات صدقًا، حين قال الساهر إنه لم يعد ينظر إلى الحياة بالطريقة نفسها التي كان ينظر إليها في شبابه؛ فهو يتساءل اليوم ما قيمة الغياب الطويل عن المنزل من أجل جولات فنية تمتدّ لأسابيع أو لأشهر، وعن الوقت الذي مضى بعيدًا عن بيته وأولاده بسبب العمل.
صابر الرباعي: الانسحاب في أوج العطاء
وإذا كان كاظم الساهر قد تحدّث عن ثمن السنوات الطويلة تحت الأضواء، وعمّا أخذته الشهرة منه، فإنّ صابر الرباعي بدا أكثر انشغالًا بكيفية الحفاظ على ما حقّقه خلالها.
في مقابلة حديثة له مع الإعلامي محمد قيس، كشف الفنان التونسي أنه يدرس بشكلٍ جدّي إنهاء مسيرته الفنية خلال فترة تتراوح بين عامين وخمسة أعوام، مؤكّدًا أنه يفضّل اعتزال الغناء قبل أن يفرض عليه العمر ذلك. وقال الرباعي إنه يفضّل أن يختار بنفسه لحظة المغادرة، قبل أن يتراجع أداءه، وأن ينهي مسيرته وهو لا يزال قادرًا على تقديم حفلات وأعمال تليق باسمه وتاريخه.
ومن بين أكثر تصريحاته صراحةً، إقراره بأنه لا يريد أن يأتي يوم يغنّي فيه أمام عدد قليل من الحضور، مشدّدًا على أنّ الحفاظ على إرثه الفنّي وصورته لدى الجمهور لا يقلّ أهمية، بنظره، عن النجاحات التي حقّقها طوال العقود الماضية.
الوجه الآخر للقمّة
قد تبدو تجربة كاظم الساهر مختلفة عن تجربة صابر الرباعي؛ إذ يؤكّد الأول أنه سيواصل الغناء ما دام قادرًا على ذلك، بينما يتحدّث الثاني بالفعل عن موعد الاعتزال. لكن خلف هذا الاختلاف، يبرز سؤال مشترك: ماذا يحدث للفنان بعد أن يحقّق ما كان يطارده طوال حياته؟
فبعد عقود من النجاح والجماهيرية والحضور المستمرّ، لا يبدو أنّ الهاجس الأكبر لدى بعض نجوم الغناء هو الأغنية المقبلة أو الحفل التالي، بقدر ما أصبح مرتبطًا بأسئلة أخرى؛ كيف يحافظ الفنّان على نفسه وسط كل هذا؟ ما الذي يبقى من حياته خارج المسرح؟ ومتى يصبح السلام الداخلي أكثر أهمية من القمّة نفسها؟


