تتزايد الانتقادات في الأوساط التربوية لوزارة التربية والتعليم، على خلفية عدم التزامها بتقليص مواد البجروت بنسبة 20% كما تعهدت خلال الحرب، إذ اقتصر التعديل، بحسب تربويين، على توسيع خيارات الاختيار داخل الامتحانات، من دون إجراء تقليص فعلي للمضامين الدراسية أو معالجة عميقة للفاقد التعليمي والنفسي المتراكم لدى الطلاب.
د. هديل كيال: ما يجري "مسكنات" لا خطة استراتيجية
د. هديل كيال: ما يجري "مسكنات" لا خطة استراتيجية
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
07:17
في حديث خاص لراديو الناس، قالت د. هديل كيال إن ما تطرحه الوزارة حتى الآن لا يرقى إلى مستوى خطة تعويضية استراتيجية واضحة، بل يندرج، برأيها، في إطار حلول مؤقتة لا تعالج جوهر الأزمة. وأوضحت أن الفاقد التعليمي لم يبدأ مع الحرب الأخيرة فقط، بل تراكم منذ سنوات، وتحديدا منذ جائحة كورونا، ما جعل الفجوات التعليمية والنفسية أكثر عمقا وتعقيدا.
وأضافت: "ما نسمعه من مقترحات قد يبدو جيدا نظريا، لكنه لم يصل إلى التطبيق كما وُعدنا، وهو في نهاية المطاف ليس إلا مسكنات، وهذا سيزيد الفاقد التعليمي ولا يشكل تعويضا حقيقيا عما خسره الطلاب".
ضرر آني ومستقبلي على الطلاب
وحذرت كيال من أن عدم تقليص المواد بصورة فعلية لا ينعكس فقط على نتائج الطلاب الحالية، بل يمتد إلى مستقبلهم الجامعي والشخصي، لأن الحديث يدور عن طلاب في مرحلة انتقالية حساسة، يستعدون لدخول الجامعة وبداية الحياة العملية.
وقالت: "التأثير كبير، وهو تأثير آني ومستقبلي أيضا. نحن نتحدث عن طالب يُعِد نفسه للجامعة وبداية الحياة، وهذه الخسارة، إذا لم تُعالج، لن تكون خسارة في المادة التعليمية فقط، بل أيضا في الجانب النفسي والاجتماعي".
ورأت أن الحل الحقيقي لا يكمن في تقليص شكلي للمواد، بل في تأجيل مواعيد امتحانات البجروت، ومنح الطلاب وقتا إضافيا للتعلم، إلى جانب اعتماد مواعيد امتحان مرنة وخطط تقييم بديلة وملائمة، مدعومة بموارد فعلية لسد الفاقد التعليمي والنفسي.
فجوات أعمق داخل المجتمع العربي
وأكدت كيال أن القرار لا يراعي الفروقات الجغرافية والاجتماعية بين الطلاب، لا سيما في المجتمع العربي، حيث واجهت مناطق عديدة، في الشمال والجنوب، ظروفا أكثر قسوة وتعقيدا خلال الحرب، في ظل غياب بنية تحتية ملائمة للتعليم عن بُعد، واستمرار انعدام الأمن والأمان في بعض المناطق.
وقالت في هذا السياق: "كل هذه المقترحات تؤدي إلى تباين أكبر بين الطلاب، بين من تمكن من التعلم والمشاركة في التعليم عن بُعد، وبين من بقي بعيدا عن ذلك بسبب غياب البنية التحتية المناسبة". وأضافت: "لا يمكن الحديث عن عودة إلى المدارس ولا عن امتحانات بجروت في غياب الأمن والأمان".
مطالبة بمساءلة الوزارة ورفع وعي الطلاب بحقوقهم
وشددت رئيسة لجنة متابعة قضايا التعليم العربي على أن دور اللجنة لن يتوقف عند حدود الانتقاد، بل سيستمر في مساءلة وزارة التربية والتعليم والمطالبة بحقوق الطلاب العرب، إلى جانب رفع مستوى الوعي لدى الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين بشأن حجم الفاقد التعليمي وسبل المطالبة بالحقوق التربوية المستحقة.
وقالت: "هذا حق طلابنا العرب، وليس فقط أن نطالب به، بل أن نرفع الوعي أيضا لدى أولياء الأمور والمعلمين والطلاب أنفسهم، حتى يدرك الطالب ما خسره، وكيف يطالب بحقه بطريقة جدية".
حاتم دهامشة: الوزارة تعالج الأزمة بأدوات تقنية
حاتم دهامشة: الوزارة تعالج الأزمة بأدوات تقنية
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
09:03
من جهته، قال مدير مدرسة المعالي الثانوية في كفركنا، الأستاذ حاتم دهامشة، إن الوزارة تتعامل مع ملف البجروت بأدوات تقنية أكثر من كونها أدوات حقيقية تنسجم مع الواقع الذي يعيشه الطلاب. وأكد أن الحرب لم تكن حدثا عابرا في نشرات الأخبار، بل دخلت إلى البيوت وإلى الصفوف والمناهج، فيما بقيت مناهج التعليم وآليات التقييم شبه ثابتة وكأن شيئا لم يتغير.
وأضاف: "التسهيلات التي أعلنت عنها الوزارة يمكن وصفها بأنها تسهيلات تقنية ليس إلا. فالمشكلة الأساسية ليست فقط في كمية المادة أو الوقت المخصص للامتحان، بل في الضغط النفسي المستمر والتوتر والقلق الذي يسرق من الطلاب رغبتهم في التعلم والتقدم إلى الامتحانات".
فقدان الدافعية هو الأزمة الحقيقية
واعتبر دهامشة أن جوهر الأزمة لا يكمن في عدد الفصول أو نسبة التقليص المعلنة، بل في التراجع الحاد في دافعية الطلاب للتعلم، في ظل واقع نفسي مضغوط وغير مستقر. وأشار إلى أن الطلاب يعيشون حالة من القلق المستمر، بينما تجد المدارس نفسها محاصرة بين ضغوط الطلاب، واستنزاف المعلمين عاطفيا، وضغوط الوزارة البيروقراطية التي تقيس النجاح بالأرقام والنسب فقط.
وقال: "نحن نعيش تحت ضغط من ثلاث جهات: طلاب فقدوا الدافعية ويتساءلون عن جدوى الدراسة في عالم متغير وغير مستقر، وطواقم معلمين مستنزفة عاطفيا، وضغوط بيروقراطية من الوزارة تحاسبنا في النهاية على النتائج والأرقام".
دعوة إلى توسيع التقييم الداخلي
وانتقد دهامشة تمسك الوزارة بامتحانات خارجية تقليدية، رغم الظروف الاستثنائية، داعيا إلى منح المدارس مساحة أوسع للتقييم الداخلي، مع حصر التقييمات الخارجية في عدد محدود من المواضيع الأساسية التي تحتاجها الجامعات عند النظر في ملفات القبول.
وقال: "كان من الممكن أن تتعامل الوزارة مع التقييمات الداخلية للمدارس بجدية أكبر. إذا كانت تثق بقدرة المدارس على التعليم، فلماذا لا تثق بقدرتها على التقييم؟ كان الأجدر إعطاء مساحة أوسع للتقييم الداخلي، وحصر التقييمات الخارجية في موضوعين أو ثلاثة من المواضيع الأساسية".
المشكلة نفسية قبل أن تكون تعليمية
وأكد دهامشة أن زيادة الوقت في الامتحان أو توسيع خيارات الاختيار لا يحلان المشكلة، لأن الأزمة الأساسية نفسية في المقام الأول، وتتطلب دعما حقيقيا وميزانيات مخصصة للمرافقة النفسية، لا مجرد أدوات تعليمية شكلية.
وأضاف: "الميدان يقول إن الحلول التقنية لا تكفي. نحن بحاجة إلى مرونة أكبر في التقييم، وإلى تعزيز ميزانيات مخصصة للدعم النفسي الحقيقي، لا للأدوات التعليمية فقط". وتابع: "هذا الجيل مرّ عليه ست سنوات من التقلبات، ومن الصراحة أن نقول: الله يعينهم حتى يتمكنوا من اجتياز هذا التحدي الكبير".
بوادر مراجعة داخل الوزارة
ورغم الانتقادات الحادة، أشار دهامشة إلى وجود مؤشرات أولية على أن بعض المسؤولين بدأوا يدركون حجم المشكلة، كاشفا عن تلقي رسالة تفيد بأن الوزارة تدرس مقترحا جديدا للتسهيلات، آملا أن يكون هذه المرة أكثر واقعية وملامسة لما يعيشه الطلاب فعلا.
وقال: "أعتقد أن المسؤولين يدركون حجم المشكلة، وقد تلقينا رسالة من أحد المسؤولين تفيد بأنه يتم دراسة مقترح جديد للتسهيلات. ونأمل أن تكون هذه التسهيلات هذه المرة أكثر حقيقية وأكثر ملامسة للواقع الذي نعيشه".


