"لا يوجد ما يمكن قصفه أكثر" | لماذا فشلت الضربات في وقف البرنامج النووي الإيراني؟

أشار إلى أن إيران ما تزال تحتفظ أيضاً بكميات إضافية من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، إلى جانب أطنان من اليورانيوم منخفض التخصيب، وهو ما يمنحها القدرة على إعادة بناء برنامجها بسرعة نسبية. 

1 عرض المعرض
المنشأة النوويّة في أصفهان
المنشأة النوويّة في أصفهان
المنشأة النوويّة في أصفهان
(المنشأة النوويّة في أصفهان)
رغم عام كامل من التصعيد العسكري والضربات الجوية المكثفة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد مواقع إيرانية، تشير تقديرات استخباراتية أميركية إلى أن البرنامج النووي الإيراني لم يتراجع بصورة جوهرية، وأن “زمن الاختراق النووي” ما يزال يقارب عاماً واحداً فقط. وبحسب تقارير وتحليلات أمنية، فإن آلاف الغارات التي استهدفت منشآت عسكرية ونووية داخل إيران خلال العام الأخير لم تنجح في القضاء على العناصر الأساسية للبرنامج النووي، وعلى رأسها مخزون اليورانيوم عالي التخصيب وأجهزة الطرد المركزي.
ترامب: “أريد فقط ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً” وكان الرئيس الأميركي ترامب قد أكد قبل أشهر أن هدفه الرئيسي يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، قائلاً:"أريد شيئاً واحداً فقط: ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً، هذا كل شيء". لكن، وبعد أشهر من المواجهة العسكرية والمفاوضات المتعثرة، نقلت وكالة “رويترز” عن تقديرات استخباراتية أميركية أن قدرات إيران النووية الأساسية لا تزال قائمة، وأن الفترة اللازمة للوصول إلى قنبلة نووية لم تتغير بشكل جذري.
أين اختفى اليورانيوم المخصب؟ وتتركز المخاوف الأساسية حول نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة قريبة تقنياً من مستوى التخصيب المطلوب لصناعة سلاح نووي، والمقدر بـ90%. ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية وخبراء نوويين، فإن معظم هذه المواد ما تزال داخل إيران، ويرجح أنها نُقلت إلى منشآت وأنفاق تحت الأرض في منطقة أصفهان، حيث جرى إغلاق مداخلها وتحويلها إلى مواقع يصعب استهدافها جواً. ويقول خبراء إن هذه الكمية تكفي لإنتاج أكثر من عشر قنابل نووية إذا تم رفع مستوى التخصيب خلال فترة قصيرة.
“لم يعد هناك الكثير لقصفه من الجو” وقال الخبير النووي والمسؤول الأمني الإسرائيلي السابق أفنر فيلان إن الضربات الجوية وصلت تقريباً إلى حدود فعاليتها، مضيفاً:“لم يعد هناك الكثير مما يمكن قصفه من الجو. ما أمكن استهدافه تم استهدافه، وما أمكن تدميره تم تدميره”. وأوضح أن المشكلة الأساسية لم تعد فقط في المنشآت النووية، بل في أجهزة الطرد المركزي التي لا تزال إيران تمتلك أعداداً كبيرة منها خارج الرقابة الدولية. وأشار إلى أن إيران ما تزال تحتفظ أيضاً بكميات إضافية من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، إلى جانب أطنان من اليورانيوم منخفض التخصيب، وهو ما يمنحها القدرة على إعادة بناء برنامجها بسرعة نسبية.
منشآت تعرضت للقصف.. لكن البرنامج لم يتوقف وخلال عملية “مطرقة منتصف الليل” في يونيو 2025، استهدفت الولايات المتحدة منشآت التخصيب الرئيسية في نطنز وفوردو باستخدام قنابل خارقة للتحصينات. وتشير التقديرات إلى أن الضربات أبطأت عملية التخصيب، إذ انتقلت المدة التقديرية اللازمة لإنتاج يورانيوم بدرجة عسكرية من ما بين ثلاثة إلى ستة أشهر، إلى فترة تتراوح بين تسعة أشهر وعام. لكن خبراء يحذرون من أن إيران لا تزال تملك البنية التحتية البشرية والتقنية التي تسمح لها بإعادة تشغيل البرنامج.
اغتيال علماء وتأثير محدود
كما استهدفت إسرائيل خلال الأشهر الماضية عدداً من كبار العلماء الإيرانيين العاملين في البرنامج النووي، إلى جانب مختبرات مرتبطة بعمليات تطوير السلاح النووي. ويرى خبراء أن اغتيال العلماء شكّل ضربة مؤلمة للمعرفة التقنية الإيرانية، لكنه لم يقضِ بالكامل على قدرة طهران على إعادة تشكيل فرق علمية جديدة. وقال الخبير النووي ديفيد أولبرايت إن عمليات الاغتيال “خلقت حالة من عدم اليقين” حول قدرة إيران على تصنيع قنبلة عملية، لكنها لم تُنهِ المشروع بالكامل.
لماذا لم يكن البرنامج النووي الهدف المركزي؟ ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو والرئيس ترامب قدما البرنامج النووي الإيراني باعتباره التهديد الأخطر، إلا أن تقارير إسرائيلية تشير إلى أن جزءاً محدوداً فقط من الضربات ركّز فعلياً على البنية النووية. وقال رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق تمير هيمان إن “الوضع النووي الإيراني لم يتغير بصورة حقيقية مقارنة ببداية الحرب”. وأضاف أن غياب “خطوة جوهرية” سواء عبر اتفاق سياسي أو ضربة استراتيجية أوسع، يعني أن إيران ما تزال تحتفظ بقدراتها الأساسية.
الحل العسكري وحده لا يكفي ويجمع خبراء على أن الضربات العسكرية وحدها لا تكفي لمنع إيران من الاقتراب من السلاح النووي، ما دامت تحتفظ باليورانيوم المخصب وبقدرات التخصيب التقنية. ويرى مراقبون أن الخيارات المطروحة حالياً تنحصر بين اتفاق رقابي صارم يفرض قيوداً واسعة على البرنامج النووي الإيراني، أو استمرار سياسة الاحتواء والتأجيل. أما منع إيران نهائياً من امتلاك قدرة نووية عسكرية، فيبقى – بحسب الخبراء – مرتبطاً إما بتغيير سياسي جذري داخل إيران، أو بقرار إيراني داخلي بالتخلي الكامل عن البرنامج النووي العسكري.