أظهرت بيانات تتبع السفن، اليوم الاثنين، توقفا شبه تام لحركة الشحن عبر مضيق هرمز، في تطور يعكس تصاعد التوتر في واحد من أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم، وذلك بالتزامن مع تعثر المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة، وتجدد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وبحسب البيانات، لم تعبر المضيق سوى ثلاث سفن خلال الساعات الاثنتي عشرة الماضية، في مؤشر على تراجع حاد في حركة الملاحة. وأظهرت تحليلات لصور الأقمار الصناعية وبيانات من "سينماكس" و"كبلر" أن ناقلة "نيرو" المحملة بمنتجات نفطية، والخاضعة لعقوبات بريطانية، غادرت الخليج عبر المضيق اليوم الاثنين، فيما دخلت إلى الخليج سفينتان أخريان، إحداهما ناقلة كيماويات والأخرى ناقلة غاز بترول مسال.
مخاوف على الملاحة العالمية
يأتي هذا التراجع الحاد في حركة الشحن في وقت يتزايد فيه القلق الدولي من تداعيات التوتر في المضيق على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، خاصة مع استمرار الحصار البحري الأمريكي وتنامي المخاطر الأمنية في المنطقة.
وفي هذا السياق، دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى الحفاظ على مرور السفن بصورة طبيعية عبر مضيق هرمز، مشددا على دعم بكين لوقف فوري وشامل لإطلاق النار، وتمسكها بحل النزاعات في الشرق الأوسط عبر القنوات السياسية والدبلوماسية.
كما عبرت وزارة الخارجية الصينية عن قلقها من اعتراض الولايات المتحدة سفينة شحن ترفع علم إيران، وقال المتحدث باسمها إن الوضع في مضيق هرمز "معقد وحساس"، داعيا الأطراف المعنية إلى التصرف بمسؤولية والالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، وتهيئة الظروف اللازمة لاستئناف العبور الطبيعي في المضيق.
احتجاز سفينة إيرانية وتصعيد متبادل
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في وقت سابق اليوم أنها أطلقت النار على سفينة شحن إيرانية واحتجزتها بعد محاولتها اختراق الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، فيما قال الجيش الإيراني إن السفينة كانت قادمة من الصين، متوعدا بالرد على ما وصفه بأنه "قرصنة مسلحة" من جانب الجيش الأمريكي.
وفي المقابل، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن المؤسسات المعنية تحقق فيما إذا كانت القوات المسلحة الإيرانية قد استهدفت سفنا هندية، في إشارة إلى اتساع دائرة التوتر في الممرات البحرية الإقليمية.
تعثر الدبلوماسية وتبادل الاتهامات
على الصعيد السياسي، قال بقائي إنه لا توجد حاليا خطة لعقد جولة ثانية من المفاوضات مع الولايات المتحدة، متهما واشنطن بأنها أظهرت عدم جدية في المضي بالعملية الدبلوماسية، وارتكبت "أعمالا عدوانية" وانتهكت بنود وقف إطلاق النار.
ونقل عن مصدر إيراني كبير قوله إن الخلافات بشأن البرنامج النووي لا تزال قائمة، في وقت تحاول فيه طهران وواشنطن التوصل إلى حل دائم للأزمة، مع اقتراب انتهاء أمد وقف إطلاق النار بين الجانبين. وأضاف المصدر أن "القدرات الدفاعية" الإيرانية، بما يشمل برنامجها الصاروخي، ليست مطروحة للتفاوض، مؤكدا أن استمرار الحصار الأمريكي لمضيق هرمز يقوض محادثات السلام الإيرانية الأمريكية.
وفي موازاة ذلك، شدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أهمية اتباع جميع السبل العقلانية والدبلوماسية لخفض التوتر مع الولايات المتحدة، لكنه أكد في الوقت نفسه أن اليقظة وعدم الثقة في التعامل مع واشنطن "ضرورة لا يمكن تجاهلها".
روسيا تعرض المساعدة والصين تتحدث عن مرحلة حرجة
من جهتها، قالت روسيا إنها تأمل استمرار المفاوضات المتعلقة بإيران لتجنب تداعيات سلبية على المنطقة والاقتصاد العالمي. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن الوضع في الخليج لا يزال "هشا وغير مستقر"، معربا عن أمله في تجنب أي تصعيد إضافي نحو سيناريو عسكري.
وأضاف بيسكوف أن موسكو لا تقوم حاليا بدور الوسيط، لكنها مستعدة لتقديم أي مساعدة إذا طُلب منها ذلك، لتسهيل التوصل إلى حل سلمي والمساهمة في اتفاق يخفف حدة الأزمة.
أما الصين، فأكدت أن الوضع دخل "مرحلة حرجة"، وأنها ستؤدي "دورا بناء" في ما يتصل بالمحادثات الأمريكية الإيرانية، في محاولة للإبقاء على المسار السياسي مفتوحا رغم التوترات المتسارعة.
تحركات دبلوماسية باكستانية وترقب للجولة المقبلة
وفي ظل انسداد الأفق الحالي، تحدثت تقارير عن أن باكستان كثفت منذ أمس الأحد اتصالاتها الدبلوماسية مع واشنطن وطهران، بهدف ضمان استئناف المحادثات بحلول يوم الثلاثاء، في محاولة لمنع انهيار التهدئة الهشة وإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض.
ويأتي ذلك بينما تقترب المهلة الزمنية للهدنة من نهايتها، ما يرفع منسوب الترقب بشأن ما إذا كانت الجهود الدبلوماسية ستنجح في احتواء الأزمة، أم أن المنطقة ستتجه نحو جولة جديدة من التصعيد العسكري.
انعكاسات فورية على الأسواق
اقتصاديا، انعكس هذا التوتر سلبا على الأسواق، إذ تراجعت العقود الآجلة التي تتبع مؤشرات الأسهم الرئيسية في أوروبا بأكثر من واحد بالمئة عند الفتح، مع انحسار الآمال بإنهاء الحرب مع إيران، وتجدد المخاوف من اضطراب أوسع في إمدادات الطاقة العالمية نتيجة شلل الملاحة في مضيق هرمز.


