كشف تحقيق استقصائي موسع نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، في ملحقها الأسبوعي "7 أيام"، عن سلسلة وثائق استخباراتية ومحاضر اجتماعات رسمية تتعارض، بحسب الصحيفة، مع الرواية التي قدمها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بشأن المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية والعسكرية التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر 2023.
ويستند التحقيق إلى مراجعة وثيقة من 55 صفحة نشرها نتنياهو في شباط الماضي، بعنوان "رد رئيس الحكومة على أسئلة مراقب الدولة"، إلى جانب مقارنتها بمحاضر اجتماعات المجلس الوزاري المصغر، وتوجيهات مجلس الأمن القومي، وتقارير استخباراتية صادرة عن الجيش والشاباك والموساد خلال السنوات التي سبقت الهجوم.
وخلص معدّو التحقيق إلى أن نتنياهو استخدم، في عدد من الحالات، اقتباسات جزئية من تقارير أمنية واستخباراتية، مع حذف أجزاء تضمنت تحذيرات من تعاظم قدرات حماس واحتمال اندلاع مواجهة عسكرية، بما أدى، وفق الصحيفة، إلى تقديم صورة مختلفة عن المعلومات التي كانت متاحة للقيادة السياسية آنذاك.
سياسة التهدئة مع حماس
تتمحور إحدى أبرز نتائج التحقيق حول سياسة التهدئة التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة، إذ يؤكد نتنياهو في وثيقته أن مصطلحي "الاحتواء" و"الهدوء" لم يكونا جزءًا من توجيهاته الرسمية، في محاولة للفصل بين قراراته السياسية والسياسات التي اعتمدتها المؤسسة الأمنية.
غير أن الصحيفة عرضت سلسلة وثائق تشير إلى أن الحفاظ على الهدوء وتأجيل المواجهة العسكرية كانا من الأهداف المعلنة للتوجيهات السياسية الصادرة خلال فترات حكم نتنياهو.
ففي السابع من تموز 2014، تحدث نتنياهو خلال اجتماع للمجلس الوزاري المصغر عن هدف يتمثل في العودة إلى الهدوء، قبل أن يعتمد المجلس في اليوم التالي تعليمات تضمنت العمل على استعادة الاستقرار الأمني.
وفي نيسان 2019، نقل مجلس الأمن القومي إلى الأجهزة الأمنية توجيهات رئيس الحكومة التي دعت إلى بذل الجهود لإبقاء قطاع غزة جبهة ثانوية، وتجنب التصعيد قدر الإمكان، مع تحديد هدف يتمثل في تحقيق هدوء أمني طويل الأمد وتأجيل المواجهة.
وتكررت هذه السياسة في أيار 2020، حين تضمنت التوجيهات الحفاظ على حماس باعتبارها جهة حكم فعالة في قطاع غزة، على أن تكون مقيّدة وقادرة على ضبط الأوضاع الأمنية.
أما في تموز 2023، أي قبل ثلاثة أشهر من الهجوم، فقد نصّت التوجيهات السياسية، بحسب التحقيق، على بذل الجهود للحفاظ على التهدئة لفترة طويلة وإبقاء غزة جبهة ثانوية.
وتشير الصحيفة إلى أن نتنياهو واصل اعتماد هذه المقاربة حتى الأيام الأخيرة قبل الهجوم، إذ تحدث في الأول من تشرين الأول 2023 عن ضرورة دفع التفاهمات المدنية مع حماس، بالتزامن مع مساعيه للتوصل إلى اتفاق تطبيع بين إسرائيل والسعودية.
والأبرز، بحسب التحقيق، أن وثيقة رسمية أعدها مكتب رئيس الحكومة ومجلس الأمن القومي في نيسان 2024 أقرت بأن التوجيهات السياسية السابقة شجعت الجيش على تجنب الحسم العسكري ضد حماس والبحث عن بدائل له.
"حماس مردوعة"
ويتناول التحقيق نقطة خلافية ثانية تتعلق بالاعتقاد السائد قبل الهجوم بأن حركة حماس كانت مردوعة وغير معنية بمواجهة عسكرية شاملة.
ففي الوثيقة التي نشرها، يؤكد نتنياهو أن هذا التقدير جاء من الأجهزة الاستخباراتية، وأنه اعتمد على التقييم الموحد الذي قدمته المؤسسة الأمنية.
لكن الصحيفة عرضت تصريحات أدلى بها نتنياهو خلال عام 2023، تبنّى فيها شخصيًا هذا التقدير وقدمه باعتباره إنجازًا للسياسة الأمنية الإسرائيلية.
ففي أيار من ذلك العام، وبعد جولة قتال بين إسرائيل وحركة الجهاد الإسلامي لم تشارك فيها حماس، أعلن نتنياهو أن إسرائيل نجحت في تغيير معادلة الردع.
وفي الحادي والعشرين من الشهر نفسه، قال خلال اجتماع لكتلة الليكود إن حماس لم تطلق الصواريخ على إسرائيل منذ عملية "حارس الأسوار"، معتبرًا ذلك دليلًا على نجاح سياسة الردع.
كما يكشف التحقيق أن نتنياهو قال خلال اجتماع مع رئيس الشاباك السابق رونين بار في أيار 2023 إن هناك "ميزان ردع قويًا أمام حماس"، رغم تحذيرات بار من تدهور الأوضاع الأمنية.
وبحسب الصحيفة، فإن نتنياهو كان يتحدث عن ردع حماس باعتباره إنجازًا لحكومته عندما استمر الهدوء، لكنه عاد بعد الهجوم ليقدمه باعتباره تقديرًا خاطئًا صادرًا عن الأجهزة الاستخباراتية.
خطة "أسوار أريحا"
ويخصص التحقيق مساحة واسعة لخطة الهجوم التي أعدتها حماس، وعُرفت لدى الاستخبارات الإسرائيلية باسم "أسوار أريحا"، والتي تضمنت سيناريو لاجتياح مواقع عسكرية وبلدات إسرائيلية قرب قطاع غزة.
وكان نتنياهو قد أكد في وثيقته أنه لم يتلقَّ معلومات عن هذه الخطة، وأن أجهزة الاستخبارات لم تعرض عليه وجود مخطط هجومي بهذا الحجم.
غير أن التحقيق يشير إلى أن معلومات تفصيلية عن خطط هجومية لحماس وصلت إلى مكتب رئيس الحكومة منذ نيسان 2018، عندما أعدت شعبة الاستخبارات العسكرية وثيقة من 23 صفحة تضمنت وصفًا لخطة هجوم واسعة بمشاركة ست كتائب، أي نحو ثلاثة آلاف مقاتل.
وتضمنت الوثيقة، وفق الصحيفة، احتمال مهاجمة قواعد عسكرية في منطقة غلاف غزة، إلى جانب استهداف مواقع مدنية داخل إسرائيل، عبر اختراق السياج الحدودي وتنفيذ عمليات برية منسقة.
وتؤكد الصحيفة أن الوثيقة أُدرجت ضمن الملفات الأمنية الحساسة المخصصة لاطلاع نتنياهو، وأنه أقرّ في روايته بتلقيها، لكنه ركز على الفقرة التي استبعدت قدرة حماس على تنفيذ الخطة في ذلك الوقت.
ويعرض التحقيق وثيقة إضافية تعود إلى تشرين الثاني 2022، عندما عقدت قيادة المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي يومًا دراسيًا بعنوان "ملامح المعركة المقبلة في غزة".
وبحسب التحقيق، تضمنت المواد التي أُرسلت إلى نتنياهو عرضًا لسيناريوهات اقتحام واسعة، مع ذكر صريح لخطة "أسوار أريحا"، إضافة إلى معلومات عن أنفاق هجومية واستعدادات لتنفيذ هجوم مفاجئ.
وترى الصحيفة أن هذه المعطيات تناقض الادعاء بأن نتنياهو لم يتلقَّ معلومات بشأن وجود خطة هجومية واسعة لدى حماس.
ومع ذلك، فإن وصول وثائق استخباراتية تتناول سيناريوهات الهجوم لا يعني بالضرورة أن تنفيذها كان متوقعًا في السابع من أكتوبر تحديدًا، إذ تشير التقارير نفسها إلى أن تقديرات الأجهزة الأمنية قللت من قدرة حماس على تنفيذها في مراحل سابقة.
تحذيرات متكررة من الشاباك
وفي محور آخر، يكشف التحقيق عن تحذيرات استخباراتية متعددة نُقلت إلى مكتب نتنياهو خلال الأشهر التي سبقت الهجوم، وشملت تقديرات بإمكانية اندلاع مواجهة عسكرية وتراجع قدرة إسرائيل على الردع.
ففي آذار 2023، حذّر رئيس شعبة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية آنذاك، عميت ساعر، من احتمال نشوء ما وصفه بـ"العاصفة المثالية"، نتيجة اجتماع الأزمة الداخلية الإسرائيلية مع تصعيد فلسطيني واحتمال تدخل جبهات أخرى.
وفي السابع من آذار، أرسل الشاباك تقييمًا أمنيًا حذّر فيه من أن حماس تتابع الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي وتستفيد منها، وأن هناك مؤشرات إلى استعدادها للتصعيد.
وفي الحادي والعشرين من آب 2023، حذّر الشاباك من دخول إسرائيل مرحلة أمنية خطيرة قبيل الأعياد اليهودية، في ظل تقديرات بأن خصومها ينظرون إلى الانقسام الداخلي باعتباره عاملًا يضعف الردع الإسرائيلي.
كما أرسل مكتب رئيس الشاباك رسالة إضافية إلى نتنياهو حذّر فيها من تصاعد التهديدات القادمة من غزة وإيران ولبنان، ودعا إلى الاستعداد لعمليات هجومية واستهداف أهداف مركزية.
وبحسب التحقيق، فقد تضمنت التقديرات توصيات باتخاذ إجراءات عسكرية استباقية، لكن نتنياهو واصل التشديد على ضرورة الحفاظ على التهدئة وتجنب التصعيد.
وفي اجتماع أمني عقد قبل نحو شهر من الهجوم، حذّر رونين بار من وضع أمني خطير واحتمال تقارب الجبهات العسكرية، بينما ركز نتنياهو في تلخيصه للاجتماع على ضرورة تهدئة الأوضاع.
الموساد حذّر أيضًا واقتباسات حُذف نصفها
ويكشف التحقيق أن وثيقة نتنياهو تضمنت اقتباسًا من تقييم استخباراتي للموساد يعود إلى الحادي والعشرين من أيلول 2023، يشير إلى أن حماس تتجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل.
لكن الصحيفة تشير إلى أن نتنياهو حذف الجزء التالي من الجملة نفسها، الذي أوضح أن الحركة، رغم عدم رغبتها في المواجهة، لا تخشاها إذا اضطرت إليها.
كما نقل التحقيق عن تقييمات أخرى للموساد، خلال الفترة الممتدة من عملية "حارس الأسوار" عام 2021 حتى منتصف 2023، أن الحركة لم تكن مردوعة بصورة مطلقة عن التصعيد.
وتناولت تقارير الموساد أيضًا تأثير الانقسام السياسي والاجتماعي داخل إسرائيل على حسابات حماس، إلى جانب استخدام الحركة الاحتجاجات قرب السياج الحدودي للضغط من أجل الحصول على تسهيلات اقتصادية وأموال إضافية.
وترى الصحيفة أن حذف هذه التحذيرات من وثيقة نتنياهو ساهم في تقديم تقديرات الموساد باعتبارها مطمئنة بصورة أكبر مما كانت عليه فعليًا.
هل رفض نتنياهو اغتيال قيادات من حماس؟
ومن أبرز النقاط التي يثيرها التحقيق الخلاف بشأن المبادرة إلى تنفيذ اغتيالات ضد قيادات حماس خلال عام 2023.
ففي روايته، يقدم نتنياهو نفسه باعتباره الطرف الذي دفع باتجاه عمليات الاغتيال، في مقابل تحفظ الأجهزة الأمنية وخشيتها من التصعيد.
واستشهد نتنياهو باجتماع عقده مع رئيس الشاباك رونين بار في الحادي والثلاثين من تموز 2023، مؤكدًا أنه طالب بالاستعداد الفوري لاغتيال أحد كبار قادة حماس. لكن الصحيفة تقول إن محضر الاجتماع الكامل يكشف سياقًا مختلفًا.
فبحسب التحقيق، حذّر بار خلال الاجتماع من ارتفاع وتيرة التخطيط لهجمات انطلاقًا من غزة، وطرح إمكانية اغتيال شخصية من حماس، مؤكدًا ضرورة الاستعداد لمواجهة عسكرية قد تترتب على الخطوة.
ونقل التحقيق عن نتنياهو قوله إن "قتل أحدهم يعني جولة قتال"، مشيرًا إلى أنه لم يوافق على تنفيذ العملية آنذاك.
وتكرر الأمر، وفق الصحيفة، خلال اجتماعات أخرى في نيسان وأيار وتشرين الأول 2023، حين طرح قادة الشاباك والجيش مقترحات لاستهداف قيادات من حماس، لكن نتنياهو فضّل الحفاظ على الاستقرار الأمني وتجنب مواجهة واسعة.
ويربط التحقيق هذه السياسة بالأولوية التي منحتها حكومة نتنياهو خلال تلك الفترة للمحادثات الرامية إلى تطبيع العلاقات مع السعودية.
ليلة السابع من أكتوبر
أما الجزء الأكثر حساسية في التحقيق، فيتعلق بالمعلومات الاستخباراتية التي جرى تداولها خلال الساعات التي سبقت الهجوم. ويؤكد نتنياهو في روايته أن أول تحديث وصله بشأن الهجوم كان عند الساعة 06:29 صباحًا، مع بدء إطلاق الصواريخ واقتحام عناصر حماس للحدود.
غير أن التحقيق يكشف أن ضابط الاستخبارات المسؤول عن نقل المعلومات إلى رئيس الحكومة تلقى منذ نحو الساعة الثانية فجرًا تقارير عن مؤشرات غير اعتيادية في قطاع غزة، إلى جانب تقديرات أخرى استبعدت اندلاع مواجهة واسعة.
وعند الساعة 03:03، رفع الشاباك مستوى التنبيه في منظومة مخصصة للتحذيرات، بعد رصد نشاط غير اعتيادي لشبكة شرائح الاتصال المرتبطة بعناصر حماس في عدة مناطق.
وأشار التحذير إلى احتمال أن تدل هذه المؤشرات، إذا ترافقت مع علامات إضافية، على استعداد لتنفيذ نشاط هجومي.
وبحسب التحقيق، وُزعت هذه المعلومات على الجيش والشرطة ومجلس الأمن القومي، كما تلقى ضابط الاستخبارات في مكتب رئيس الحكومة اتصالات للتأكد من اطلاعه على المواد. وتوضح الصحيفة أن هذه الوقائع لا تثبت أن نتنياهو أُبلغ شخصيًا بالمعلومات خلال الليل، لكنها تؤكد وصول تحذيرات أولية إلى قنوات رسمية داخل مكتبه ومجلس الأمن القومي.
ويثير التحقيق تساؤلات بشأن سبب عدم وصول تلك المعلومات إلى رئيس الحكومة، أو عدم اتخاذ إجراءات استثنائية بناءً عليها، خصوصًا أن الجهات التي تلقتها تعمل ضمن منظومة المسؤولية الحكومية والأمنية.
حادثة 2018: اغتيال مخطط أم اشتباك انتهى بمقتل مسؤول في حماس؟
ويكشف التحقيق أيضًا عن تضارب يتعلق بمقتل نور الدين بركة، أحد مسؤولي كتائب القسام في منطقة خان يونس، خلال عملية إسرائيلية سرية في تشرين الثاني 2018.
ففي الوثيقة التي نشرها نتنياهو، ورد اسم بركة ضمن قائمة قيادات حماس التي قال إن إسرائيل اغتالتها بتوجيه منه، لإثبات أنه اعتمد سياسة هجومية ضد الحركة. إلا أن الصحيفة تشير إلى أن بركة قُتل خلال اشتباك وقع بعدما انكشفت قوة إسرائيلية كانت تنفذ عملية سرية داخل قطاع غزة، ولم يكن هدفًا لعملية اغتيال محددة.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أوضح في حينه أن المهمة لم تكن تهدف إلى اغتيال أو اختطاف أي شخص. وتسببت العملية بمقتل ضابط إسرائيلي وإصابة آخر، قبل انسحاب القوة من قطاع غزة، ما يجعل تصنيف مقتل بركة ضمن عمليات الاغتيال المخطط لها محل خلاف مع الرواية الرسمية للأحداث.
من يتحمل مسؤولية الإخفاق؟
ويعيد التحقيق طرح الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية السياسية والأمنية عن هجوم السابع من أكتوبر، ولا سيما ما إذا كانت الأجهزة الاستخباراتية وحدها قد أخفقت في تقدير نيات حماس وقدراتها، أم أن القرارات السياسية ساهمت أيضًا في استمرار السياسة التي سبقت الهجوم.
ويقرّ التحقيق بأن الجيش والشاباك وأجهزة الاستخبارات ارتكبت إخفاقات كبيرة في تحليل المعلومات والاستعداد للهجوم، وأن التحذيرات المتاحة لم تتضمن بالضرورة توقعًا محددًا لتوقيت الهجوم أو حجمه.
لكنه يشير في المقابل إلى أن نتنياهو تلقى، أو أُرسلت إلى مكتبه، معلومات وتحذيرات متعددة بشأن تنامي قدرات حماس واحتمالات التصعيد، وأن بعض هذه التحذيرات غابت عن الوثيقة التي نشرها للدفاع عن أدائه.
وتخلص الصحيفة إلى أن الفجوة بين رواية نتنياهو ومحاضر الاجتماعات والتقارير الاستخباراتية تستدعي فحصًا مستقلًا وشاملًا للتسلسل الزمني للقرارات والتحذيرات، بما في ذلك التسجيلات الأصلية ومحاضر الاجتماعات الأمنية.
ولم يصدر عن مكتب نتنياهو رد على نتائج التحقيق حتى موعد نشر التقرير، بحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت".


