أثارت نتائج بحثية عُرضت خلال الاجتماع السنوي للجمعية الأميركية لأبحاث السرطان، وتحدثت عن مؤشرات قد تربط بين التعرض المحتمل لبقايا المبيدات في بعض الأغذية وارتفاع خطر الإصابة بسرطان الرئة لدى أشخاص دون سن الخمسين من غير المدخنين، ولا سيما النساء، نقاشًا واسعًا حول سلامة الغذاء، وحجم المخاطر اليومية التي قد يتعرض لها الإنسان من خلال الخضروات والفواكه والحبوب ومشتقات الغذاء المختلفة.
وفي حديث لراديو الناس، قال د. عبد إغبارية، مدير وحدة السرطان في مستشفى روتشيلد وعضو سكرتارية نقابة الأطباء، إن نتائج البحث لا تأتي من فراغ، بل تندرج ضمن معرفة طبية قديمة بأن الإنسان يتعرض يوميًا لمواد كيميائية متعددة عبر الغذاء والبيئة، مشددًا في الوقت ذاته على أن المطلوب ليس إثارة الخوف، بل التعامل مع الواقع بوعي وتوازن.
المبيدات واقع غذائي يصعب الاستغناء عنه
د. عبد إغبارية: "المطلوب هو التوازن والاعتدال، لا الامتناع ولا الخوف
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
05:50
وأوضح د. إغبارية أن بقايا المبيدات لا تقتصر على نوع واحد من الغذاء، بل قد تكون موجودة في الخضروات والفواكه، وحتى في القمح والشعير والطحين ومشتقات غذائية أخرى، معتبرًا أن هذه المواد أصبحت جزءًا من واقع الإنتاج الغذائي الحديث.
وقال: "عندما نتحدث عن بقايا المبيدات في بعض الأغذية، فنحن نتحدث عن شيء موجود في الخضروات والفواكه، وحتى في القمح والشعير والطحين. من الناحية العملية لا نستطيع اليوم الاستغناء عنها بالكامل". وأضاف أن الأمر يشبه إلى حد ما التعامل مع تلوث الهواء وغيره من مظاهر الحياة الحديثة، حيث لا يمكن الهروب منها كليًا، لكن يمكن تقليل أثرها قدر الإمكان.
وتابع: "هذا هو الواقع اليوم، وعلينا أن نفهم كيف نتعامل معه وكيف نقلل من تأثير هذه الأمور، مثل المبيدات الحشرية والمواد الكيميائية المختلفة".
البحث يعزز ما كان معروفًا طبيًا
وبحسب د. إغبارية، فإن أهمية البحث تكمن في أنه يضع إطارًا علميًا لمخاوف كانت معروفة أو متداولة منذ سنوات، حول تأثير التعرض المزمن للمواد الكيميائية على احتمالات الإصابة بالسرطان. وقال: "هذه الأمور كنا نعرفها منذ وقت طويل، لكن هذا البحث جاء ليعرضها بشكل علمي، وأنها قد تؤثر في ارتفاع أو انتشار السرطان".
وأشار إلى أن البحث ركز على سرطان الرئة، لكنه لم يستبعد أن تكون هناك علاقة محتملة بين التعرض لمواد كيميائية معينة وأنواع أخرى من السرطان، مثل سرطان القولون أو أنواع أخرى، إذا جرى فحصها في سياقات بحثية مماثلة.
وأضاف: "البحث كان عن سرطان الرئة، لكن لو أُجريت فحوصات أخرى فقد نجد علاقة مع سرطان القولون أو أنواع أخرى. هذا أمر واقعي، وكنا نعرفه للأسف".
الغذاء الحديث بين المواد الكيميائية والهرمونات
وتطرق د. إغبارية إلى أن التعرض الغذائي لا يقتصر على الخضروات والفواكه، بل يشمل أيضًا منتجات أخرى مثل الألبان والأجبان والحليب، التي قد تتأثر في بعض الحالات باستخدام الهرمونات أو طرق الإنتاج الحديثة.
وقال: "نحن نعرف اليوم أن كثيرًا مما نأكله يتعرض لمواد كيميائية. وحتى في الأجبان والألبان والحليب قد تكون هناك هرمونات، وهذه أيضًا قد ترفع احتمالات الإصابة ببعض أنواع السرطان، مثل سرطان الثدي لدى النساء".
لكنه شدد على ضرورة قراءة هذه المعطيات بهدوء، وعدم تحويلها إلى حالة هلع عامة، خاصة في ظل التقدم الكبير في الطب وتحسن متوسط العمر المتوقع.
"لا تخافوا، الطب يتقدم والناس تعيش أكثر"
ورغم الصورة المقلقة التي قد تعكسها الأبحاث حول الغذاء والبيئة والإشعاعات والشاشات والتلوث، أكد د. إغبارية أن الإنسان يعيش اليوم سنوات أطول بكثير مقارنة بالماضي، وذلك بفضل التطور الطبي وتحسن وسائل التشخيص والعلاج.
وقال: "على الرغم من كل ذلك، هناك في المقابل تقدم في مجال الطب. الناس اليوم تعيش أكثر بكثير، بعشرات السنين، مقارنة بما كان عليه الوضع سابقًا". وأضاف: "أريد أن يضع المستمعون هذه الأمور في إطارها الصحيح وألا يخافوا. هناك شيء اسمه التوازن والاعتدال في كل شيء".
الاعتدال بدل الحميات القاسية
وشدد د. إغبارية على أن التعامل الصحيح مع هذه المخاطر لا يكون من خلال الامتناع المطلق أو اتباع حميات قاسية تركز على نوع واحد من الغذاء، بل من خلال التنويع والاعتدال.
وأوضح أن بعض الحميات التي تعتمد بشكل شبه كامل على الخضروات والفواكه قد تحمل خطرًا معاكسًا، إذا كانت هذه الأغذية نفسها تحتوي على بقايا مبيدات من نوع معين، لأن التركيز على صنف غذائي واحد قد يزيد كمية المادة التي يتعرض لها الجسم.
وقال: "لا تضعوا كل البيض في سلة واحدة. التوازن مهم في كل شيء، حتى في الطعام. إذا ركز الإنسان على نوع واحد فقط من الغذاء، فقد يضاعف تعرضه لمادة معينة موجودة فيه". وأضاف أن الاعتدال مطلوب أيضًا في الرياضة وأنماط الحياة، إذ لا ينبغي الانتقال فجأة إلى ممارسات متطرفة قد تضر أكثر مما تنفع.
مرضى السرطان والتغذية: لا للمنع العشوائي
وتحدث د. إغبارية عن أسئلة تتكرر كثيرًا من مرضى السرطان حول منع السكر أو اللحوم الحمراء بشكل كامل، مؤكدًا أن هذه النصائح العامة لا تستند دائمًا إلى أساس علمي عملي، وأن المريض في مراحل العلاج يحتاج إلى التغذية والتنويع لا إلى الحرمان.
وقال: "يأتيني مرضى ويسألون: هل ممنوع على مريض السرطان أن يأكل السكر أو اللحوم الحمراء؟ جوابي الأولي هو لا. لا يوجد أساس عملي واضح لهذا المنع المطلق. المريض في هذه المرحلة يحتاج إلى أن يأكل ويتغذى وينوع في طعامه".
وأكد أن القاعدة الأساسية هي تناول مختلف العناصر الغذائية باعتدال، لا بناء نظام غذائي قائم على الخوف أو الإقصاء.
لا اندفاع كامل نحو "الأورغاني"
وحول ما إذا كانت نتائج البحث تعني ضرورة التوجه الكامل نحو الغذاء العضوي، قال د. إغبارية إن هذا الطرح غير واقعي بالنسبة إلى معظم الناس، سواء من حيث توافر المنتجات العضوية أو أسعارها المرتفعة.
وقال: "لا أريد أن يفهم الناس أن الحل هو الذهاب فقط إلى الغذاء العضوي. لا يوجد غذاء عضوي متاح للجميع في كل العالم، وأسعاره مرتفعة. لذلك لا نريد أن نخيف الناس بهذا الاتجاه". وأضاف أن المهم هو تقليل المخاطر قدر الإمكان عبر التنويع، وغسل الخضروات والفواكه جيدًا، وعدم المبالغة في استهلاك صنف واحد، إلى جانب الحفاظ على نمط حياة متوازن.
هل تتغير صناعة المبيدات بعد هذه الأبحاث؟
وعن إمكانية أن تقود هذه الأبحاث إلى تغييرات في تركيبة المبيدات أو ثورة في أساليب الإنتاج الزراعي، أبدى د. إغبارية تشككًا في حدوث تحول قريب، موضحًا أن الطلب العالمي المتزايد على الغذاء يدفع باتجاه زيادة الإنتاج وتسريعه، ما قد يعني عمليًا استمرار استخدام المبيدات وربما زيادته.
وقال: "من الناحية المنطقية، لا أعتقد أن الأمور ستتغير قريبًا، بل ربما يزداد استخدام المبيدات. سلة الغذاء العالمية والكميات التي تستهلكها البشرية هائلة، وكلما زاد عدد السكان زادت الحاجة إلى وسائل تساعد على الإنتاج بكميات أكبر وبسرعة أكبر". وأضاف: "هذه أمنية أن يتحسن الواقع، لكن على الأرض قد لا يتحسن بسهولة. كل شيء له ثمن، وكل هذا التطور له ثمن ظاهر أو غير ظاهر قد ندفعه صحيًا".
نصيحة أخيرة: التوازن وغسل الغذاء وتقليل التعرض
وختم د. عبد إغبارية حديثه بالتأكيد على أن الحل لا يكمن في الخوف أو الامتناع، بل في السلوك المتوازن والواعي، من خلال تنويع الغذاء، وغسل الخضروات والفواكه جيدًا، والابتعاد عن الحميات القاسية أو القرارات الغذائية المتطرفة. وقال: "الحل الوحيد هو الاعتدال والتوازن. ليس التجنب الكامل ولا الامتناع، بل أن نعرف كيف نأكل وكيف نقلل من الأضرار الممكنة".
وتبقى نتائج البحث، وفق قراءة إغبارية، مؤشرًا مهمًا يستحق المتابعة العلمية، لكنها لا تعني أن يتحول الغذاء اليومي إلى مصدر رعب، بل أن يدفع إلى وعي أكبر بأنماط الاستهلاك، وبالعلاقة المتزايدة بين البيئة والغذاء والصحة العامة.
First published: 07:35, 29.04.26



