بين بورصة قوية وجيوب منهكة: لماذا تبدو صورة الاقتصاد الإسرائيلي متناقضة؟

مؤشرات الأسهم عند مستويات مرتفعة، الشيكل قوي والفائدة تتراجع، لكن خلف الصورة الإيجابية للأسواق تتواصل شكاوى الأسر من غلاء المعيشة وتآكل الأجور، في فجوة متزايدة بين مؤشرات الاقتصاد الكلي وما يشعر به المستهلك يوميًا. 

1 عرض المعرض
التجارة بالألماس في بورصة رمات غان
التجارة بالألماس في بورصة رمات غان
التجارة بالألماس في بورصة رمات غان
(Mendy Hechtman/Flash90)
على الورق، تبدو مجموعة من المؤشرات الاقتصادية الإسرائيلية قوية: بورصة تل أبيب أنهت السنة العبرية الماضية بمكاسب حادة، الشيكل يحافظ على مستويات قوية أمام الدولار، التضخم أصبح ضمن نطاق هدف بنك إسرائيل، والفائدة تراجعت للمرة الثالثة على التوالي.
لكن هذه الصورة تختلف بصورة واضحة عند الانتقال من شاشات البورصة إلى فاتورة المشتريات الشهرية، حيث يستمر ارتفاع تكاليف المعيشة ويشعر كثير من الأسر بأن تحسن المؤشرات المالية لم يصل بعد إلى دخلها المتاح أو قدرتها الشرائية.
ووصف تقرير اقتصادي نشرته "كالكاليست" هذا الوضع بأنه "صورة انتصار مضللة"، مشيرًا إلى التناقض بين أداء أسواق المال وبين ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل الأجور والضغوط المالية الواسعة على الاقتصاد.

بورصة تقفز والشيكل يحافظ على قوته

أنهى مؤشر "تل أبيب 35" السنة العبرية الأخيرة بارتفاع بلغ نحو 43%، فيما صعد مؤشر "تل أبيب 125" بنحو 38%، في أداء استثنائي يعكس ارتفاع شهية المستثمرين وتحسن تقييمات العديد من الشركات المدرجة.
وفي سوق العملات، استقر الدولار خلال الأيام الأخيرة قرب 3.02 شيكل، بعدما وصل الشيكل في وقت سابق من العام إلى أقوى مستوى له مقابل الدولار منذ أكثر من ثلاثة عقود.
أما بنك إسرائيل، فخفض في الأول من أيلول/ سبتمبر سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية إلى 3.25%، للمرة الثالثة على التوالي، مستفيدًا من تراجع التضخم السنوي إلى 1.5% في تموز/ يوليو، وهو داخل النطاق المستهدف البالغ بين 1 و3%.
هذه المؤشرات تمنح المستثمرين صورة لاقتصاد استعاد قدرًا من الاستقرار، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال مختلف: لماذا لا يشعر المستهلك بالتحسن نفسه؟

الإنفاق يرتفع لكن هل يشتري الإسرائيليون أكثر فعلًا؟

أظهرت معطيات شركة "شبا"، التي تدير منظومة المدفوعات ببطاقات الائتمان، أن الإنفاق خلال الساعات الثلاث الأولى من صباح عشية رأس السنة بلغ نحو 460 مليون شيكل، بزيادة 2.7% عن الفترة الموازية من العام الماضي.
غير أن ارتفاع قيمة الإنفاق لا يعني بالضرورة زيادة كمية السلع المشتراة؛ إذ قد يعكس ببساطة أن المستهلك يدفع أسعارًا أعلى لقاء السلة نفسها. وهذه نقطة أشار إليها أيضًا تحليل للمعطيات، خصوصًا أن الزيادة سُجلت رغم ارتفاع أعداد الإسرائيليين الذين غادروا لقضاء العطلة في الخارج.
كما تتعرض أسعار السلع المستوردة لضغوط إضافية من ارتفاع تكاليف التمويل والشحن والتأمين واضطرابات سلاسل الإمداد، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار سلة المشتريات حتى في فترة يتراجع فيها معدل التضخم العام.

نمو قوي في الأرقام وأقل قوة على الأرض

وينطبق التناقض نفسه على بيانات النمو. فقد سجّل الناتج المحلي في الربع الثاني معدل نمو سنوي مرتفعًا بلغ 15.4%، لكن بنك إسرائيل أوضح أن جزءًا كبيرًا من الرقم مرتبط بإنتاج إسرائيلي جرى في الخارج. وبعد استبعاد هذا العامل، بلغ النمو نحو 3.8%، وهو ما وصفه مسؤولون في البنك بأنه نمو "معقول"، لكنه بعيد عن الانطباع الذي يمنحه الرقم الرئيسي.
وهنا تكمن الفجوة: فالبورصة تقيس إلى حد كبير توقعات أرباح الشركات وثقة المستثمرين، وقوة الشيكل تخفف نظريًا كلفة الاستيراد، وانخفاض الفائدة يساعد المقترضين تدريجيًا، لكن الأسرة تقيس الاقتصاد بطريقة أكثر مباشرة؛ من ثمن الغذاء والإيجار إلى القروض والتعليم والمواصلات.
لذلك يمكن أن تكون البورصة قوية والعملة مستقرة في الوقت نفسه الذي يشعر فيه المستهلك بالضيق. فنجاح الاقتصاد في الأسواق المالية لا يتحول تلقائيًا إلى تحسن في مستوى المعيشة، خصوصًا عندما يتركز جانب من المكاسب في الأصول المالية، بينما تبقى الأسعار والأجور وتكاليف السكن هي العامل الأكثر حضورًا في الحياة اليومية.