أثار إعلان وزيرة المواصلات ميري ريغف نيتها الكشف، خلال الأسبوع الجاري، عن خطة لرفع السرعة القصوى المسموح بها في عدد من الشوارع الرئيسية في البلاد من 90 إلى 110 كيلومترات في الساعة، جدلًا واسعًا بين مؤيدين يرون في الخطوة ملاءمة لبعض الشوارع السريعة، ومعارضين يحذرون من أنها قد تزيد من خطورة حوادث الطرق في ظل بنية تحتية غير كافية وثقافة قيادة تعاني أصلًا من مخالفات السرعة واستخدام الهاتف.
وتتحدث الخطة، بحسب ما نُشر في الإعلام العبري، عن رفع السرعة في مقاطع محددة من شوارع بين مدن، بينها شارع 1 وشارع 90 في منطقة العربة، بعد إعدادها بالتنسيق مع السلطة الوطنية للأمان على الطرق وشرطة السير. غير أن الإعلان جاء في توقيت حساس، في ظل ارتفاع أعداد القتلى والجرحى في حوادث الطرق، ما جعل القرار يبدو لدى منتقديه خطوة متسرعة وغير منسجمة مع واقع الشوارع.
معارضة قانونية: القرار يحمل مخاطرة واضحة
المحامي رأفت أسدي: القرار يحمل مخاطرة واضحة
غرفة الأخبار مع فراس خطيب
05:37
المحامي رأفت أسدي، المختص في قضايا السير والمرور، انتقد القرار بشدة، معتبرًا أن رفع السرعة في هذا التوقيت لا ينسجم مع خطاب السلطات المتكرر بأن السرعة الزائدة هي أحد أبرز أسباب حوادث الطرق القاتلة.
وقال أسدي إن وزارة المواصلات والشرطة طالما شددتا على أن السرعة العالية تشكل عاملًا مركزيًا في وقوع الحوادث، متسائلًا كيف يمكن الانتقال الآن إلى رفع السرعة المسموح بها في شوارع تعاني أصلًا من كثافة مرورية ومخاطر متزايدة.
وأشار إلى أن السنوات الأخيرة شهدت أعدادًا مرتفعة من ضحايا حوادث الطرق، معتبرًا أن فترة تولي ريغف وزارة المواصلات ترافقت مع واحدة من أصعب المراحل في هذا الملف. وأضاف أن معالجة حوادث الطرق لا تبدأ برفع السرعة، بل بتغيير جذري في البنية التحتية وتوسيع الشوارع وملاءمتها قبل السماح بقيادة أسرع.
شارع 90 نموذجًا للقلق
وتوقف أسدي عند الحديث عن احتمال رفع السرعة في شارع 90، واصفًا إياه بأنه معروف لدى الشرطة والمحاكم كـ"شارع الموت"، بسبب كثرة الحوادث الخطيرة التي شهدها على مدار السنوات. وقال إن مجرد التفكير برفع السرعة في شارع كهذا يثير القلق، لأن المشكلة لا تتعلق باللافتة التي تحدد السرعة فقط، بل بجودة الطريق، ووجود فواصل آمنة، ومساحات جانبية، ومنعطفات، وحركة شاحنات ومركبات خاصة في ظروف مختلفة.
وبحسب أسدي، فإن شوارع كثيرة في البلاد لا تسمح عمليًا بسرعة عالية، سواء بسبب الازدحامات أو البنية غير الملائمة. وأضاف أن شارع 6 نفسه، رغم كونه شارعًا سريعًا، يشهد ازدحامات لساعات طويلة، ما يطرح سؤالًا حول الجدوى العملية من رفع السرعة في واقع مروري مزدحم.
هل يقلل القرار المخالفات؟
أحد الأسئلة التي يطرحها مؤيدو القرار هو ما إذا كان رفع السرعة القانونية قد يقلل عدد مخالفات السرعة، باعتبار أن بعض السائقين يقودون اليوم بسرعة تتجاوز 90 كيلومترًا في الساعة في شوارع واسعة.
لكن أسدي يرى أن رفع الحد الأقصى قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، لأن بعض السائقين يتعاملون مع السرعة المسموح بها كحد أدنى فعلي، وليس كحد أعلى. ووفق هذا المنطق، إذا ارتفعت السرعة القانونية إلى 110 كيلومترات في الساعة، فقد يدفع ذلك بعض السائقين إلى القيادة بسرعة 140 أو 150 وربما أكثر.
وأوضح أن مخالفات السرعة تُقسّم بحسب حجم التجاوز، فهناك مخالفات بغرامات منخفضة نسبيًا، وأخرى تصل إلى 1500 شيكل مع نقاط، فيما قد يؤدي تجاوز كبير للسرعة إلى استدعاء للمحكمة وسحب فوري للرخصة. وأشار، على سبيل المثال، إلى أن القيادة بسرعة 161 كيلومترًا في الساعة في شارع سرعته القصوى 110 قد تؤدي إلى إجراءات مشددة، بينها سحب الرخصة وإحالة السائق إلى المحكمة.
وأكد أسدي أن أكثر المخالفات شيوعًا التي يتعامل معها اليوم هي مخالفات السرعة واستخدام الهاتف أثناء القيادة، لافتًا إلى أن الشوارع باتت مليئة بالكاميرات الثابتة والتكتيكية التي تستخدمها الشرطة.
الهاتف أثناء القيادة: ملف موازٍ لا يقل خطورة
وفي سياق متصل، أشار أسدي إلى تشديد متزايد في ملف استخدام الهاتف أثناء القيادة، معتبرًا أنه من أخطر السلوكيات على الطرق. وقال إن هناك توجهات لرفع الغرامات بشكل كبير، بحيث قد تصل في حالات متكررة إلى آلاف الشواكل، مع إمكان حجز المركبة عند تكرار المخالفة للمرة الثالثة، إذا تم تبني المقترحات المطروحة.
ويرى أسدي أن معالجة حوادث الطرق تتطلب مقاربة شاملة تشمل السرعة، الهاتف، الثقافة المرورية، البنية التحتية، والرقابة، لا الاكتفاء بخطوة قد تُفهم لدى الجمهور كتشجيع على القيادة الأسرع.
موقف مهني مشروط: ليس كل شارع يصلح للسرعة الأعلى
حاتم فارس: ليس كل شارع يصلح للسرعة الأعلى
غرفة الأخبار مع فراس خطيب
03:59
من جهته، قدم حاتم فارس، المحاضر في القيادة الصحيحة والقيادة الوقائية والمحقق في حوادث الطرق، موقفًا أكثر تفصيلًا، معتبرًا أن رفع السرعة قد يكون ممكنًا في بعض الشوارع فقط، لكنه غير مناسب كقرار عام أو موحد.
وقال فارس إن أي رفع للسرعة يجب أن يسبقه فحص مهني للبنية التحتية، ومعرفة ما إذا كان الشارع ملائمًا فعلًا لسرعة 110 أو 120 كيلومترًا في الساعة. وأوضح أن بعض الشوارع المركزية، مثل مقاطع من شارع 1 بين تل أبيب والقدس، وشارع 6، وطرق سريعة أخرى في مركز البلاد، قد تكون قابلة للنقاش، لكن بقية الشوارع لا تملك بالضرورة شروط الأمان المطلوبة.
وشدد على أن الشوارع تختلف من حيث الفواصل، عدد المسارات، جودة الإسفلت، المنعطفات، الإضاءة، مداخل ومخارج المركبات، وكثافة السير. لذلك لا يمكن التعامل مع رفع السرعة كقرار موحد يشمل كل الطرق.
السرعة لا تمنح هامشًا للخطأ
وحذر فارس من أن للسرعة أثرًا مباشرًا على شدة الحوادث. فكلما ارتفعت السرعة، زادت قوة الصدمة، وارتفعت احتمالات الإصابات الخطيرة والقاتلة. كما أن مسافة التوقف تزداد، وقدرة السائق على الاستجابة للمفاجآت تتراجع، خصوصًا عند المنعطفات أو عند ظهور عائق مفاجئ.
وأشار إلى أن القوة المؤثرة على المركبة في المنعطفات تزداد بشكل كبير مع ارتفاع السرعة، ما قد يؤدي إلى فقدان السيطرة، خصوصًا لدى السائقين الأقل خبرة أو في ظروف طريق غير مثالية.
ورأى فارس أن الحديث عن رفع السرعة يأتي في وقت غير مناسب، لأن البلاد تشهد أرقامًا صعبة في حوادث الطرق والجرحى، مؤكدًا أن المطلوب هو جهد مشترك يبدأ من التربية المرورية في البيت والمدرسة، ويمتد إلى الرقابة، enforcement، والبنية التحتية، وليس مجرد تغيير في شاخصات السرعة.
انتقاد حاد لوزارة المواصلات
وانتقد فارس أداء وزارة المواصلات في ملف الأمان على الطرق، معتبرًا أن الوضع الحالي يعكس فشلًا في خفض عدد الضحايا. وقال إن دولة تحترم نفسها لا يمكن أن تتعامل مع أرقام القتلى والجرحى كأمر عادي، خصوصًا عندما تستمر الحوادث الخطيرة دون خطة شاملة ونتائج ملموسة.
وبرأيه، فإن رفع السرعة في هذا التوقيت يبعث برسالة خاطئة للسائقين، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى ضبط السلوكيات الخطرة لا توسيع هامشها. وأضاف أن السرعة ليست مجرد رقم، بل عامل يزيد من خطورة كل خطأ يقع على الطريق.
بين التسهيل والسلامة
في المقابل، يرى مؤيدون لرفع السرعة أن بعض الشوارع في إسرائيل مصممة فعلًا لتحمل سرعة أعلى، وأن إبقاء السرعة القصوى عند 90 كيلومترًا في الساعة في مقاطع واسعة ومستقيمة قد لا يعكس الواقع الهندسي للطريق. كما يجادلون بأن تحديد سرعة أكثر واقعية قد يحسن الانضباط ويقلل الفجوة بين القانون وسلوك السائقين الفعلي.
لكن المعارضين يعتبرون أن هذا المنطق لا يصمد إذا لم يرافقه تحسين في البنية التحتية، وتكثيف الرقابة، وإجراءات صارمة ضد القيادة المتهورة واستخدام الهاتف. فرفع السرعة من دون ضمانات قد يتحول، برأيهم، إلى تشجيع غير مباشر على القيادة السريعة في مجتمع يعاني أصلًا من ضعف في الثقافة المرورية.


