تتصاعد في إسرائيل المخاوف من ملامح الاتفاق الآخذ بالتبلور بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تقديرات بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يتجه إلى تسوية لا تتضمن إخراج مخزون اليورانيوم المخصب من إيران، والاكتفاء بمسار يقوم على تخفيف نسب التخصيب، في خطوة تُعد في إسرائيل تراجعًا عن خطوط حمراء سبق أن طُرحت في بداية المواجهة.
وبحسب ما نُشر في القناة 12 ، فإن أوساطًا قريبة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عبّرت عن خشيتها من أن “يفعل ترامب بإسرائيل ما فعله أوباما”، في إشارة إلى الاتفاق النووي السابق مع إيران، الذي عارضته إسرائيل بشدة واعتبرته في حينه تهديدًا استراتيجيًا لأمنها.
إسرائيل تخشى أن تبقى خارج القرار
وتشير القراءة الإسرائيلية إلى أن إسرائيل بدأت المواجهة الأخيرة مع إيران بتنسيق وثيق مع واشنطن، لكنها تجد نفسها الآن في موقع المتلقي لصفقة تُصاغ فوق رأسها. وترى جهات إسرائيلية أن ترامب يتجه عمليًا إلى التنازل عن مطلب إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، وعن شروط أخرى كانت تُعد مركزية، بينها مطلب “صفر تخصيب”، وملف الصواريخ الباليستية.
وتتركز المخاوف الإسرائيلية حول مصير نحو 450 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب الموجود لدى إيران، إذ تخشى إسرائيل أن يتم الاكتفاء بتقليص مستوى التخصيب أو إخضاع المخزون لترتيبات رقابية، بدل نقله إلى خارج الأراضي الإيرانية، كما طالبت إسرائيل منذ بداية المسار الدبلوماسي.
معادلة لبنانية تقلق إسرائيل
ومن بين البنود التي تثير قلق إسرائيل أيضًا، ما تصفه التقارير العبرية بمحاولة إيران فرض معادلة جديدة في لبنان، تقوم على ربط أي هجوم إسرائيلي في مناطق مثل الضاحية الجنوبية لبيروت أو النبطية أو صور باعتباره خرقًا لوقف إطلاق النار.
وتشير المصادر إلى وجود محاولات أمريكية لصياغة بند التفافي يضمن لإسرائيل “حق الدفاع عن النفس”، بحيث لا تُقيّد بشكل كامل في حال تعرضها لهجوم من إيران أو من أطراف مرتبطة بها، وفي مقدمتها حزب الله.
هامش مناورة محدود أمام نتنياهو
وتلفت التقديرات الإسرائيلية إلى أن وضع نتنياهو أمام ترامب يختلف عن وضعه خلال عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما. ففي حين تمكن نتنياهو آنذاك من التوجه إلى الكونغرس ومحاولة حشد دعم من أعضاء ديمقراطيين وجمهوريين ضد الاتفاق النووي، يبدو هامش المناورة اليوم أضيق بكثير، بسبب الرهان الإسرائيلي الكبير على ترامب خلال الحرب الأخيرة، وبسبب التنسيق العسكري والسياسي الذي رافق العمليات ضد إيران.
وترى جهات إسرائيلية أن هذا الرهان حقق من جهة تعاونًا عسكريًا غير مسبوق مع واشنطن، لكنه من جهة أخرى جعل من الصعب على إسرائيل الخروج علنًا ضد اتفاق يقوده ترامب شخصيًا.
إيران تخرج أقوى وفق القراءة الإسرائيلية
وتحذر التقديرات في إسرائيل من أن النظام الإيراني قد يخرج من الحرب الأخيرة أكثر قوة، إذا حصل على اتفاق دولي يتضمن تخفيفًا للعقوبات أو تحريرًا تدريجيًا للأموال، من دون تفكيك جوهري لقدراته النووية والصاروخية.
كما تشير هذه التقديرات إلى أن إيران اكتشفت خلال المواجهة الأخيرة امتلاكها ورقة ضغط دولية شديدة الحساسية، تتمثل في مضيق هرمز، وما يمثله من أهمية استراتيجية لحركة الطاقة والتجارة العالمية.
مسؤول أمريكي: احتمال التوصل إلى اتفاق يبلغ 85%
في المقابل، نقلت القناة العبرية عن مسؤول أمريكي كبير قوله إن واشنطن تقدر احتمال التوصل إلى اتفاق مع إيران بنحو 85%، مؤكدًا أن الطرفين باتا قريبين جدًا من خط النهاية، رغم أن الاتفاق لم يُحسم بشكل كامل بعد.
وقال المسؤول إن الولايات المتحدة تتوقع توقيع الاتفاق خلال الأيام القريبة، موضحًا أن معظم الأطراف داخل القيادة الإيرانية تريد التوقيع، لكن ليس جميعها. وأضاف أن المنظومة الإيرانية معقدة، وأن المفاوضات لا تزال تتطلب حذرًا قبل الإعلان النهائي.
وشدد المسؤول الأمريكي على أن إيران لن تحصل على أموال أو تسهيلات اقتصادية بمجرد التوقيع أو الدخول في المفاوضات، بل فقط بعد تنفيذ التزامات واضحة. وأوضح أنه إذا سلّمت إيران يورانيومًا مخصبًا فستحصل على مقابل، وإذا فككت منشآت نووية فستحصل على مقابل، مؤكدًا أن واشنطن ستنفذ التزاماتها فقط بعد أن تنفذ طهران ما هو مطلوب منها.
واشنطن تطمئن إسرائيل بشأن حق الدفاع عن النفس
وحاول المسؤول الأمريكي طمأنة إسرائيل بالقول إن أي دولة لن تتنازل عن حقها في الدفاع عن نفسها نتيجة الاتفاق. وأضاف أنه إذا هاجمت إيران إسرائيل، فلن تتوقع واشنطن من إسرائيل الامتناع عن الرد.
كما أشار إلى أن الإدارة الأمريكية تجري حوارات مباشرة مع نتنياهو، وأن الرئيس ترامب تحدث معه مؤخرًا بشأن تفاصيل الاتفاق. ووفق المسؤول، فإن واشنطن تعتقد أن الإسرائيليين سيشعرون بقدر أكبر من الاطمئنان عندما يطّلعون على التفاصيل الكاملة ويدركون أن إيران مطالبة بتنفيذ التزاماتها أولًا قبل حصولها على أي مقابل.
وفي ما يتعلق بحزب الله، قال المسؤول الأمريكي إن إطلاق صواريخ على إسرائيل بتمويل أو دعم إيراني سيُعد عدم التزام إيراني بالاتفاق، مشددًا في الوقت نفسه على أن واشنطن تدرك حساسية إسرائيل وشكوكها، لكنها تتوقع من جميع الأطراف المشاركة في مسار التهدئة الالتزام الكامل به.
اتفاق يثير الشكوك قبل ولادته
ورغم محاولات التهدئة الأمريكية، يبقى الاتفاق المحتمل مثار قلق واسع في إسرائيل، لا سيما إذا لم يتضمن إخراج اليورانيوم المخصب من إيران أو معالجة ملف الصواريخ الباليستية بصورة واضحة. وبينما ترى واشنطن أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام تهدئة أوسع، تخشى إسرائيل أن يتحول إلى نسخة جديدة من الاتفاق النووي السابق، يمنح إيران وقتًا وشرعية دولية من دون إزالة عناصر التهديد الأساسية من وجهة نظرها.


