حذّرت وزارة الصحة من استمرار الانتشار المقلق لداء الكَلَب في البلاد، بعد تسجيل 63 إصابة بين الحيوانات خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، في وقت بلغ فيه عدد الحالات المسجلة خلال عام 2025 نحو 102 إصابة، وهو أعلى مستوى يُسجّل في السنوات الأخيرة.
وتأتي هذه المعطيات وسط اتساع رقعة انتشار المرض، وارتفاع عدد الحالات التي يتعرض فيها أشخاص لعضات أو خدوش من حيوانات مصابة أو يُشتبه في إصابتها، ما يستدعي، وفق الجهات المختصة، رفع مستوى الحذر والالتزام بإجراءات الوقاية والتوجه الفوري لتلقي العلاج عند التعرض لأي حيوان مشبوه.
وقال المدير العام للخدمات البيطرية لمدن منطقة الشومرون، د. رياض بدران، إن السنة الأخيرة شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في تشخيص الإصابات بداء الكَلَب، ولا سيما بين الحيوانات البرية، مشيرًا إلى أن هذا الارتفاع يرتبط بجملة من العوامل التي ساهمت في انتقال المرض بين المناطق.
د. رياض بدران يحذّر من دور الحيوانات البرية والكلاب الضالة والنفايات العضوية في نقل العدوى
المنتصف مع شيرين يونس
04:25
وأضاف بدران أن الجبهات التي شهدتها المناطق الشمالية خلال الحروب في لبنان وسوريا، وما رافقها من تراجع في الرقابة على الحدود واتساع إمكانية عبور الحيوانات البرية، قد تكون ساهمت في دخول حيوانات مصابة أو حاملة للفيروس إلى البلاد.
وأوضح أن انتقال الحيوانات البرية عبر الحدود ليس ظاهرة جديدة، وأن حركة الحيوانات بين جانبي الحدود كانت قائمة دائمًا، إلا أن الإجراءات الوقائية ومستوى مكافحة المرض يختلفان من دولة إلى أخرى.
وأشار إلى أن وزارة الزراعة تنفذ داخل البلاد إجراءات للحد من انتشار داء الكَلَب، في حين قد لا تُطبق في الدول المجاورة الإجراءات الوقائية أو العلاجات ذاتها، الأمر الذي يبقي خطر دخول الحيوانات المصابة قائمًا بصورة مستمرة.
الحيوانات البرية والضالة تنقل المرض
وبيّن بدران أن تكاثر الحيوانات البرية والضالة داخل البلاد يساعد على انتشار المرض، إذ يمكن لحيوان مصاب أن ينقل العدوى إلى حيوانات أخرى، قبل أن تصل العدوى إلى المناطق السكنية أو إلى البشر.
ولفت إلى أن الكلاب الضالة تُعد أحد أبرز العوامل التي تساعد على نقل المرض من منطقة إلى أخرى، خصوصًا في ظل ازدياد أعدادها في السهول والمناطق المفتوحة والمحاذية للبلدات.
وأوضح أن انتشار النفايات العضوية في المناطق العامة، ولا سيما قرب البلدات العربية، يوفر مصدرًا دائمًا للغذاء، ما يساعد على تكاثر الكلاب الضالة ويجذب في الوقت نفسه الحيوانات البرية، مثل ابن آوى والثعالب.
وأضاف أن وجود هذه الحيوانات بأعداد كبيرة قرب المناطق المأهولة يزيد احتمال الاحتكاك بينها وبين الحيوانات المنزلية أو السكان، ويرفع بذلك خطر انتقال داء الكَلَب.
ودعا بدران السلطات المحلية إلى تحمل مسؤولياتها في تنظيف الأماكن العامة، وإزالة مكبات النفايات العشوائية، ومعالجة بؤر النفايات العضوية التي تتحول إلى مناطق جذب للحيوانات الضالة والبرية.
التخلي عن الجراء يفاقم الظاهرة
وحذّر بدران كذلك من ظاهرة التخلي عن الكلاب والجراء بعد ولادتها، مؤكدًا أن تركها في الشوارع أو المناطق المفتوحة يؤدي إلى ارتفاع أعداد الكلاب الضالة ويزيد صعوبة السيطرة عليها.
وأشار إلى أن معالجة ظاهرة الكلاب الضالة لا تقتصر على الإمساك بها، بل تتطلب أيضًا منع التخلي عن الحيوانات، وتشجيع أصحابها على تحمل مسؤوليتهم، والالتزام بتطعيمها ومراقبتها وعدم تركها تتجول دون رقابة.
وأوضح أن كل سلطة محلية مطالبة بمعالجة ظاهرة الحيوانات الضالة داخل منطقة نفوذها، بالتعاون مع الخدمات البيطرية والجهات الرسمية المختصة.
تطعيم فموي في المناطق المفتوحة
وحول الإجراءات المتبعة لمكافحة المرض، قال بدران إن الجهات المختصة تستخدم ما يُعرف بالتطعيم الفموي، وهو لقاح يُوزع في الطبيعة على شكل طعوم تتناولها الحيوانات البرية.
وأضاف أن تناول الثعالب وابن آوى وغيرها من الحيوانات البرية لهذه الطعوم يؤدي إلى تحصينها ضد المرض، ويساعد على الحد من انتقال الفيروس بينها ومنع توسيع دائرة العدوى.
وأشار إلى أن هذه العملية تُعد واحدة من الوسائل الأساسية للسيطرة على انتشار داء الكَلَب في المناطق المفتوحة، إلا أنها تحتاج إلى الاستمرار والتوسع بما يتلاءم مع أعداد الإصابات ومناطق انتشارها.
كما شدد على أهمية الإمساك بالكلاب الضالة ومعالجتها بصورة مهنية، باعتبارها حلقة محتملة لنقل المرض من الحيوانات البرية إلى داخل البلدات والمناطق السكنية.
توعية الجمهور خط الدفاع الأساسي
وأكد بدران أن توعية الجمهور تشكل عنصرًا أساسيًا في الوقاية من المرض، مشيرًا إلى ضرورة عدم الاقتراب من الحيوانات البرية أو الضالة، حتى عندما تبدو هادئة أو غير عدوانية.
ودعا الأهالي إلى مراقبة الأطفال ومنعهم من اللعب مع الحيوانات المجهولة، خصوصًا في المناطق المفتوحة أو قرب مكبات النفايات، والإبلاغ عن أي حيوان يظهر سلوكًا غير طبيعي.
وشدد على أن التعامل مع داء الكَلَب لا يحتمل الانتظار أو الاستهانة، نظرًا إلى خطورة المرض، داعيًا كل من يتعرض للعض أو الخدش من حيوان بري أو ضال إلى غسل مكان الإصابة والتوجه فورًا إلى الجهات الطبية المختصة.
ويؤكد المختصون أن الوقاية تعتمد على التطعيم المنتظم للحيوانات المنزلية، ومكافحة ظاهرة الكلاب الضالة، وتنظيف المناطق العامة، إلى جانب سرعة التوجه لتلقي العلاج الوقائي بعد أي تعرض محتمل للعدوى.
وتواصل الجهات الصحية والبيطرية متابعة انتشار المرض، وسط دعوات إلى تعزيز التعاون بين الوزارات والسلطات المحلية والجمهور، بهدف الحد من الإصابات ومنع وصول العدوى إلى مزيد من المناطق السكنية.


