خطيب أيوب: المعطيات خطيرة.. لكن السؤال ماذا فعلت الدولة؟
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
08:14
كشفت معطيات عرضتها الشرطة الإسرائيلية خلال مؤتمر لمديري أقسام التربية والتعليم في حيفا قبل أيام، عن ارتفاع مقلق في انخراط القاصرين في العنف والجريمة.
وبحسب المعطيات، ارتفعت جرائم القاصرين بنسبة 16% بين عامي 2024 و2025، فيما أُشير خلال النقاش إلى ارتفاع بنسبة 25% في الجرائم الخطيرة والاعتقالات، في أرقام تعيد إلى الواجهة السؤال حول قدرة المؤسسات التعليمية والاجتماعية والعائلات على التدخل قبل وصول القاصر إلى عالم الجريمة.
وفي حديثين متتاليين لـ"راديو الناس"، تناولت د. سماح خطيب أيوب، المديرة العامة للجنة متابعة قضايا التعليم العربي، القضية من زاوية جهاز التربية والتعليم ومسؤولية الدولة، فيما حلل المحاضر والخبير في علم الإجرام د. وليد حداد الأسباب والمؤشرات التي قد تسبق انخراط القاصر في الجريمة.
خطيب أيوب: "من منا يتفاجأ؟"
د. سماح خطيب أيوب قالت إن المعطيات، على خطورتها، لا تشكل مفاجأة في ظل الواقع الذي يعيشه المجتمع، مشددة على ضرورة عدم التعامل معها باعتبارها مجرد أرقام جديدة.
وأكدت أن المطلوب ليس فقط التفكير في كيفية تدخل الشرطة بعد تفاقم الظاهرة، وإنما إجراء مراجعة شاملة لما فعلته الدولة خلال السنوات الماضية.
وقالت إن السؤال الأساسي يجب أن يكون: ماذا فعلت الدولة حتى الآن؟ ماذا نجح من خططها، وماذا لم ينجح، وما الأثر الذي تركته سياساتها على منظومة التربية والتعليم؟
وأشارت إلى أن المجتمع العربي يواجه تحديات بنيوية خاصة، إلى جانب تداعيات قرارات حكومية وتقليصات طالت خططًا وميزانيات كان يفترض أن تساهم في سد الفجوات ومواجهة العنف والجريمة.
المدارس العربية أمام "حالة طوارئ مضاعفة"
وحول قدرة المدارس على اكتشاف الطالب المعرض للانزلاق إلى الجريمة قبل وصوله إلى الشرطة، قالت خطيب أيوب إن جهاز التربية والتعليم العربي يعاني نقصًا كبيرًا في الأدوات والموارد.
ووصفت الواقع بأنه "حالة طوارئ مضاعفة"، في ظل العنف والجريمة والأزمات المتراكمة خلال السنوات الماضية، وما تركته من فجوات تعليمية واجتماعية ونفسية.
وأشارت إلى أن السلطات المحلية العربية نفسها تواجه تقليصات وضغوطًا مالية، في وقت تُحمّل فيه المدارس مسؤوليات متزايدة دون تزويدها دائمًا بالموارد والكوادر المطلوبة.
"التسرب الخفي".. الطالب في المدرسة لكنه خارج العملية التعليمية
ومن القضايا التي سلطت خطيب أيوب الضوء عليها ظاهرة "التسرب الخفي"، والتي قد يكون فيها الطالب مسجلًا ويحضر إلى المدرسة، لكنه عمليًا بعيد عن العملية التعليمية وغير منخرط فيها.
وقالت إن لجنة متابعة قضايا التعليم العربي طرحت سابقًا ضرورة تطوير معيار لرصد هذه الظاهرة، مشيرة إلى وجود مشكلة في بلورة أدوات واضحة تستطيع اكتشافها والتعامل معها.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة عند الحديث عن القاصرين المعرضين للخطر، إذ قد يكون الطالب موجودًا جسديًا داخل المدرسة، بينما تتراجع علاقته بالتعليم ويزداد ارتباطه ببيئات أخرى خارجها.
حداد: بعض الشبان يريدون بأنفسهم الاقتراب من عالم الجريمة
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
09:38
أكثر من ألف محاضرة للشرطة.. لكن هل مكان الوقاية داخل المؤسسة الأمنية؟
وتطرقت خطيب أيوب إلى إعلان الشرطة تنفيذ أكثر من ألف محاضرة داخل المدارس، مع تأكيدها عدم القدرة على الاستجابة لجميع الطلبات.
لكنها تحفظت على تحويل الشرطة إلى لاعب مركزي في برامج الوقاية داخل المدارس.
وقالت إن دور الشرطة يجب أن يكون في إنفاذ القانون، بينما الوقاية التربوية والاجتماعية ينبغي أن تقودها منظومة التربية والتعليم من خلال الأخصائيين النفسيين والطواقم المهنية ومعالجة التسرب ودعم المعلمين.
وأضافت أن المطلوب هو تقوية الطواقم التربوية وتوفير الموارد اللازمة لها، بدل الاعتماد بصورة ممنهجة على وجود الشرطة داخل المؤسسات التعليمية.
وأكدت أن لجنة متابعة قضايا التعليم العربي لا تؤيد جعل الشرطة جهة قيادية في تشكيل وعي وهوية الأجيال القادمة.
حداد: بعض الشبان يريدون بأنفسهم الاقتراب من عالم الجريمة
ومن زاوية علم الإجرام، حذر د. وليد حداد من أن القضية لا تقتصر على استغلال منظمات الإجرام للقاصرين.
وأوضح أن طبيعة التعامل القانوني مع القاصرين تميل أكثر نحو العلاج وإعادة التأهيل مقارنة بالبالغين، الأمر الذي قد يجعلهم عرضة للاستغلال من جهات إجرامية.
لكن الجانب الأكثر إثارة للقلق، بحسب حداد، هو وجود شبان يسعون بأنفسهم إلى الاقتراب من هذه الدوائر.
وقال إن بعضهم يبدأ منذ سن صغيرة بتقليد شخصيات مرتبطة بعالم الجريمة في اللباس وطريقة الحديث والسلوك، ومحاولة تكوين صداقات وعلاقات تقربه من هذه البيئة.
ووصل حداد في وصفه للظاهرة إلى القول إن هناك من القاصرين من يصبح "حلم حياته أن يدخل عالم الجريمة".
من الخجل إلى التباهي بعالم الجريمة
وأشار حداد إلى تحول اجتماعي يعتبره بالغ الخطورة، يتعلق بنظرة بعض الشبان إلى الشخصيات المرتبطة بالجريمة.
وقال إن الارتباط بعالم الجريمة كان في السابق يحمل وصمة اجتماعية تدفع العائلات إلى إبعاد أبنائها عنه، بينما بات بعض الشبان اليوم يتباهون، بحسب قوله، بمعرفة شخصيات مرتبطة بهذا العالم أو الاقتراب منها.
كما لفت إلى دور المحتوى الذي يستهلكه القاصر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرًا أن الاهتمام المتزايد بالمحتوى المرتبط بالجريمة والعنف قد يكون أحد المؤشرات التي ينبغي الانتباه إليها.
"القاصر لا ينام طبيعيًا ويستيقظ مجرمًا"
وشدد حداد على أن انخراط القاصر في الجريمة لا يحدث بصورة مفاجئة.
وبحسب تجربته الطويلة في العمل مع الأحداث، هناك مؤشرات تظهر قبل الوصول إلى الاعتقال والتحقيق والملف الجنائي.
ومن بينها تغير دائرة الأصدقاء، ومحاولة تقليد أنماط مرتبطة بعالم الجريمة، والغياب المتكرر، والتغير في طريقة الإنفاق، وامتلاك أموال أو مقتنيات لا تتناسب مع الوضع المعروف للقاصر.
وقال إن على الأهل أن يسألوا أنفسهم: من هم أصدقاء أبنائنا؟ أين يقضون أوقات فراغهم؟ ومن أين يحصلون على أموالهم؟
"ابنك عمره 17 عامًا ويعيش بمستوى مرتفع.. من أين المال؟"
وتوقف حداد بشكل خاص عند دور الأسرة والرقابة الوالدية، مستعيدًا حالات تعامل معها خلال سنوات عمله مع الأحداث.
وقال إنه واجه عائلات لم تكن تعرف كيف يحصل ابنها القاصر على الأموال أو أين ينفقها، رغم امتلاكه دراجة نارية أو إنفاقه مبالغ كبيرة بصورة مستمرة.
وتساءل: "هل يعقل أن يكون ابنك عمره 17 عامًا، عنده دراجة نارية ويعيش بمستوى عالٍ، وأنت لا تسأله من أين يأتي بالمال؟".
وأكد أن الحالات التي تعامل معها لم تقتصر على فئة اجتماعية محددة، بل شملت أبناء عائلات من مختلف شرائح المجتمع، بما فيها عائلات لأطباء ومحامين ومحاضرين جامعيين وأصحاب مهن مختلفة.
الأهل والمدرسة.. نافذة التدخل قبل فوات الأوان
وعلى الرغم من اختلاف زاوية تناول الضيفين للقضية، فإن حديثيهما يلتقيان عند نقطة مركزية: التدخل يجب أن يبدأ قبل وصول القاصر إلى مركز الشرطة.
فخطيب أيوب تشدد على ضرورة بناء منظومة تربوية تمتلك أخصائيين وموارد وأدوات لرصد التسرب والمخاطر، فيما يؤكد حداد ضرورة استعادة الأهل دورهم في متابعة حياة أبنائهم وأصدقائهم وإنفاقهم وسلوكهم.
وفي هذا السياق، قالت خطيب أيوب إن لجنة متابعة قضايا التعليم العربي تعمل أيضًا على مبادرات ميدانية لتعزيز الحصانة النفسية لدى الطلاب والطواقم التربوية والأهالي، لكنها أكدت أن حجم الأزمة يتطلب تدخلًا مؤسساتيًا واسعًا ولا يمكن تحميل المدارس والمبادرات المحلية المسؤولية وحدها.
حداد يحذر: من دون خطة طويلة الأمد ستواصل النسب الارتفاع
وحذر حداد من أن الأرقام قد تواصل الارتفاع في حال عدم وضع خطة حكومية طويلة الأمد تركز بصورة خاصة على الشباب والقاصرين.
وأكد أن هذه الفئة لا تزال تمتلك فرصة حقيقية للوقاية والعلاج وإعادة التأهيل قبل ترسخها داخل عالم الجريمة.
وبرأيه، فإن التعامل مع القاصر في المراحل المبكرة يمكن أن يمنع انتقاله إلى مستويات أكثر خطورة، بينما يصبح إخراج الشخص من عالم الجريمة أكثر تعقيدًا بعد سنوات من الانخراط فيه.
وتضع المعطيات الجديدة المجتمع والمؤسسات أمام تحذير مبكر: ارتفاع جرائم القاصرين ليس ملفًا أمنيًا فقط، وإنما قضية تربوية واجتماعية وأسرية وحكومية، تبدأ مع طالب قد يفقد ارتباطه بالمدرسة، أو شاب تتغير دائرة أصدقائه ومصادر أمواله، وقد تنتهي، إذا غاب التدخل، داخل منظومة الجريمة.

