من البرلمان إلى قلب القرار: قاليباف يملأ فراغ لاريجاني

يتقدم محمد باقر قاليباف إلى واجهة المشهد في إيران في لحظة حساسة أعادت فيها الضربات الأخيرة ترتيب مراكز القوة داخل النظام. حضوره لم يعد محصورًا برئاسة البرلمان، بل يتخذ طابعًا سياسيًا أوسع، يعكس تحوّلًا في طريقة إدارة الدولة وتوزيع الأدوار بين المؤسسات. 

1 عرض المعرض
محمد باقر قاليباف
محمد باقر قاليباف
محمد باقر قاليباف
(ويكبيديا)
تصاعد اسم محمد باقر قاليباف في طهران خلال الأسابيع الأخيرة بوصفه أحد أبرز اللاعبين في إدارة المرحلة الحساسة التي تمر بها إيران، في ظل الضربات التي طالت قمة هرم السلطة وأعادت رسم توازنات الحكم داخل النظام.
ولا يأتي هذا الحضور من موقعه كرئيس للبرلمان فقط، بل من طبيعة الدور الذي بدأ يؤديه فعليًا. فخطابه العلني تجاوز الإطار التقليدي للعمل التشريعي، واتجه نحو صياغة مواقف سياسية مرتبطة مباشرة بإدارة المواجهة. في أكثر من تصريح، تحدث قاليباف عن تغيّر قواعد الاشتباك، مؤكّدًا أن مضيق هرمز لن يعود إلى ما كان عليه، ومعلنًا دخول البلاد في مرحلة "العين بالعين"، وهي لغة تعكس موقعًا أقرب إلى مركز القرار منه إلى موقع رقابي أو تشريعي.
شبكة علاقات وخبرة عملية نادرة
يعتمد هذا التقدم على مسار مهني غير اعتيادي داخل النظام الإيراني. فقد بدأ قاليباف في الحرس الثوري خلال الحرب مع العراق، ثم تولى قيادة سلاح الجو فيه، قبل أن ينتقل إلى رئاسة الشرطة، ومن بعدها إلى إدارة بلدية طهران لسنوات طويلة، وصولًا إلى رئاسة البرلمان منذ عام 2020. هذا التنقل بين المؤسسات الأمنية والإدارية والسياسية منحه شبكة علاقات وخبرة عملية نادرة في لحظة تتطلب الربط بين هذه المستويات.
أهمية هذا الدور تتضح أكثر بعد اغتيال علي لاريجاني، الذي كان يشغل موقعًا مركبًا يجمع بين السياسة والأمن والتمثيل المباشر للقيادة. غياب هذه الشخصية ترك فراغًا واضحًا في منظومة التنسيق داخل النظام، وهو فراغ يبدو أن قاليباف يسعى إلى ملئه، سواء عبر خطابه أو حضوره في الملفات الحساسة.
في المقابل، لا يتحرك قاليباف بمعزل عن بنية السلطة القائمة، بل ضمن توزيع غير معلن للأدوار. فالمرشد الجديد يحتفظ بموقع الشرعية العليا، فيما يواصل الحرس الثوري إدارة العمليات الميدانية، بينما تظهر الحكومة في موقع إداري ودبلوماسي. لكن ما يميز قاليباف هو قدرته على التحرك بين هذه المستويات، مستفيدًا من خلفيته العسكرية ومن موقعه السياسي في آن واحد.
حلقة وصل بين المؤسستين الأمنية والسياسية
وتُظهر المؤشرات أن النظام الإيراني لم يتجه إلى مركزية مشددة بعد الضربات، بل إلى نمط أكثر مرونة في إدارة السلطة، يعتمد على تعدد مراكز التأثير مع الحفاظ على الانضباط العام. في هذا السياق، يبرز قاليباف كحلقة وصل بين المؤسسة الأمنية والواجهة السياسية، خصوصًا في ظل الحاجة إلى خطاب تعبئة داخلي ورسائل ردع خارجية.
ورغم أن موقعه الرسمي لا يمنحه صلاحيات تنفيذية مباشرة في الحرب، فإن طبيعة حضوره وخطابه توحي بدور يتجاوز الإطار التقليدي لرئاسة البرلمان. فالرجل يتحدث بلغة من داخل النظام العميق، لا من خارجه، ويطرح نفسه كأحد الوجوه القادرة على إدارة المرحلة، أو على الأقل التأثير في اتجاهاتها.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة صعود قاليباف بمعزل عن التحولات التي أصابت بنية الحكم في إيران. فمع تراجع أدوار بعض الشخصيات المركزية، تتقدم شخصيات تمتلك خبرة مركبة وقدرة على الحركة بين المؤسسات، وهو ما ينطبق على قاليباف أكثر من غيره في هذه المرحلة.