الولايات المتحدة تسجّل أسوأ عام للحصبة منذ عقود وسط مخاوف من عودة قاتلة للمرض

تشهد الولايات المتحدة تصاعدًا غير مسبوق في تفشّي مرض الحصبة، ما يهدد بفقدان صفة “الاستئصال” التي حافظت عليها منذ عام 2000، في ظل تراجع نسب التطعيم وازدياد حالات العدوى والوفيات.

1 عرض المعرض
وزارة الصحة تدعو للتطعيم ضد الحصبة
وزارة الصحة تدعو للتطعيم ضد الحصبة
اتطعيم ضد الحصبة
(Flash90)
تواجه الولايات المتحدة مطلع عام 2026 أزمة صحية متفاقمة مع تسجيل أرقام قياسية في إصابات مرض الحصبة، ما يضع البلاد على شفا فقدان وضع "القضاء على المرض" الذي حافظت عليه منذ عام 2000. فبعد عام 2025 الذي شهد تفشياً هو الأسوأ منذ عقود، انطلقت الأسابيع الأولى من العام الجاري بتسجيل مئات الحالات الجديدة المرتبطة بتجمعات في المدارس والكنائس والمطارات، وسط تحذيرات طبية من أن النظام الصحي بات في حالة حرجة تستدعي تدخلاً عاجلاً لاستعادة مستويات التطعيم الآمنة.
أرقام قياسية ومخاوف من فقدان السيطرة
سجلت الولايات المتحدة أكثر من 2200 حالة إصابة مؤكدة بالحصبة خلال عام 2025، وهو رقم يتجاوز بكثير أي معدل سنوي منذ إعلان خلو البلاد من المرض قبل ربع قرن. وقد شهدت الأسابيع الأسبوعين الأولين من عام 2026 تسجيل 171 حالة، وهو ما يقارب المتوسط السنوي للإصابات في السنوات الماضية، مما يشير إلى تحول جذري في انتشار هذا المرض الذي يمكن الوقاية منه باللقاحات، حيث تركزت أكثر من 95% من الإصابات بين أفراد لم يتلقوا الجرعات الموصى بها من لقاح (MMR).
ويترقب الخبراء قرار منظمة الصحة العالمية ومنظمة الصحة للبلدان الأمريكية في أبريل المقبل، لتحديد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستفقد رسمياً وضعها كدولة قضت على الحصبة. هذا القرار سيعتمد على تحليل أنماط انتشار الفيروس وما إذا كان انتقال العدوى قد استمر بشكل متواصل لأكثر من عام، خاصة مع ارتباط العديد من البؤر الحالية بتفشٍ بدأ في تكساس واستمر لعدة أشهر، مما يعكس تراجعاً في كفاءة منظومة الصحة العامة.
أزمة التطعيمات وضعف النظام الصحي
تُظهر بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) أن نسبة الإعفاءات من التطعيمات الإلزامية لطلاب المدارس بلغت مستويات قياسية للعام الخامس على التوالي، حيث تراجعت نسبة التغطية بلقاح الحصبة إلى ما دون الهدف الفيدرالي البالغ 95%. ويعزو الخبراء هذا التراجع إلى زيادة "التردد في أخذ اللقاحات" مدفوعاً بمعتقدات شخصية أو فلسفية، بالإضافة إلى تلاشي "الذاكرة الجماعية" حول خطورة المرض بسبب النجاح الطويل لبرامج التطعيم السابقة.
ووصف الدكتور ديميتري داسكالاكيس، المدير السابق للمركز الوطني للتطعيم، النظام الصحي الحالي بأنه "في غرفة العناية المركزة"، مشيراً إلى أن تفشي الحصبة هو مجرد عرض لمشكلة أعمق تتعلق بالثقة في المؤسسات الصحية. وأوضح أن فقدان السيطرة على مرض كان يُعتبر من الماضي يمثل هزيمة كبيرة للمجتمع الطبي، خاصة مع تسجيل وفيات بين الأطفال كان من الممكن منعها تماماً بوسائل طبية بسيطة ومتاحة.
تأثير السياسات الصحية والرسائل المضادة
يرى مراقبون أن انتشار الرسائل المناهضة للقاحات، والتي تجد صدى في أوساط حركات اجتماعية وسياسية معينة، ساهم في خلق تجمعات سكانية غير محصنة جغرافياً وفكرياً. ورغم تأكيدات وزارة الصحة الأمريكية على فعالية اللقاحات، إلا أن التغييرات الأخيرة في جدول تطعيم الأطفال والخطاب المشكك في بعض السياسات الصحية ساهما في تعزيز الشكوك لدى العائلات، مما جعل مواجهة الأوبئة "معركة شاقة" تتطلب مجهوداً يتجاوز مجرد تقديم الخدمات الطبية.
ويبقى الأمل قائماً في إمكانية رفع معدلات التغطية باللقاحات خلال أشهر قليلة إذا ما تم تعزيز متطلبات دخول المدارس وزيادة الوعي بمخاطر المرض الحقيقية. ويؤكد الخبراء أن الحل يكمن في بناء علاقات ثقة داخل المجتمعات المحلية واستخدام قنوات تواصل فعالة لمواجهة المعلومات المضللة، لضمان ألا تصبح الحصبة جزءاً دائماً من مستقبل الصحة العامة في البلاد.