مع حلول تشرين الأول، تبدأ كروم الزيتون في فلسطين والبلدات العربية داخل أراضي 48 باستقبال أصحابها من جديد. عائلات بأكملها تتجه إلى الأرض منذ ساعات الصباح، تُفرش الشوادر تحت الأشجار، وتُحضّر سلال القطف والطعام، وتعود أصوات القاطفين إلى الحقول في مشهد يتكرر منذ أجيال، لكنه يحتفظ في كل عام بخصوصيته.
فموسم الزيتون ليس مجرد موعد زراعي لجمع محصول سنوي، بل مناسبة اجتماعية وإنسانية ارتبطت بذاكرة الفلسطينيين وحياتهم اليومية، وباتت تحمل معها طقوسًا وعادات وكلمات وأكلات تناقلتها الأجيال. وفي كثير من القرى والبلدات، يكفي أن يبدأ "الجداد" حتى تتغير تفاصيل الحياة اليومية وتصبح الأرض مكان اللقاء الأول للعائلة.
من تشرين الأول تبدأ الحكاية
يبدأ موسم قطف الزيتون المخصص للعصر عادةً مطلع تشرين الأول ويستمر حتى نهاية تشرين الثاني، وقد يمتد إلى كانون الأول وفق المنطقة والظروف المناخية ودرجة نضج الثمار.
أما الزيتون الأخضر المخصص للكبيس والتخليل، فيبدأ قطافه في وقت أبكر، عادة خلال أيلول أو مطلع تشرين الأول، عندما تبلغ الثمرة حجمها المناسب وقبل تحول لونها إلى الداكن.
وبالنسبة لزيتون العصر، ينتظر المزارعون عادة بدء تحول لون الثمار من الأخضر إلى البنفسجي والأسود تدريجيًا، بحثًا عن التوقيت الذي يحقق التوازن بين كمية الزيت وجودته ونكهته.
"العونة".. حين يصبح الكرم بيتًا للعائلة
للموسم قاموسه الاجتماعي الخاص، وفي مقدمته "العونة". أقارب وجيران وأصدقاء يتجمعون لمساعدة بعضهم بعضًا في قطف المحصول، لينتقلوا بعد الانتهاء من كرم عائلة إلى كرم أخرى، في تقليد يقوم أساسًا على التعاون ورد الجميل وليس على المقابل المادي.
وتحمل "العونة" أهمية خاصة لدى كبار السن والعائلات التي تمتلك مساحات واسعة من الزيتون، وكذلك لدى المزارعين الذين تقع أراضيهم في مناطق يصعب الوصول إليها.
ويتحول يوم القطف إلى لمة عائلية حقيقية يشارك فيها الصغار والكبار. وبينما ينشغل البعض بقطف الأغصان، يتولى آخرون "اللقاط"، أي جمع حبات الزيتون المتناثرة، في مشهد يعرفه كل من عاش موسم الزيتون في طفولته.
وفي الماضي، حين كانت بعض الكروم بعيدة عن القرى، كانت عائلات تقيم ما يُعرف بـ"العِزبة"، وهي عريشة أو خيمة بسيطة تقضي فيها أيامًا خلال الموسم، فتتحول فترة الجني إلى حياة كاملة في الأرض، لا مجرد ساعات عمل تنتهي مع غروب الشمس.
مائدة تحت الزيتون
وللطعام في الكرم ذاكرة خاصة أيضًا. تبدأ الاستراحة غالبًا بفطور بسيط من الزعتر واللبنة والجبنة البلدية والبندورة والزيت والزيتون مع الخبز، فيما تُشعل النار لاحقًا لإعداد الطعام والشاي.
ومن الأطباق التي ارتبطت بالحقل "قلاية البندورة" بالثوم والفلفل، إلى جانب أكلات تُحضّر على نار الحطب، فيما يكاد شاي الميرمية أو النعناع المغلي فوق الجمر يكون جزءًا ثابتًا من استراحة القاطفين.
وبين الأشجار، حضرت الأهازيج الشعبية أيضًا لتخفيف تعب ساعات العمل الطويلة. ومن العبارات التي تناقلتها الأجيال: "على دلعونا وعلى دلعونا.. بارك يا ربي شجر الزيتونا"، في واحد من مظاهر ارتباط الفلكلور الشعبي بالموسم.
من "الجداد" إلى القطافات الحديثة
تغيرت بعض تفاصيل القطف مع مرور السنوات. فالطريقة اليدوية التقليدية لا تزال تُعد من أكثر الطرق حفاظًا على الثمار والأغصان، لكنها تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين، فيما انتشر خلال السنوات الأخيرة استخدام القطافات الكهربائية التي تسرّع العمل، خصوصًا في المساحات الواسعة.
في المقابل، يُحذر المزارعون من ضرب الأغصان بالعصي، لما قد يسببه ذلك من أضرار للشجرة وبراعمها، وبالتالي التأثير في محصول الموسم التالي.
ومع ذلك، بقيت مفردات مثل "الجداد" و"اللقاط" حاضرة في الحديث الشعبي، حتى مع دخول المعدات الحديثة إلى الكروم.
أشجار سبقت أجيالًا وما زالت تثمر
وتكتسب شجرة الزيتون مكانتها أيضًا من عمرها الاستثنائي. ففي فلسطين تنتشر أشجار معمرة تُعرف محليًا باسم "الزيتون الرومي"، بقي بعضها قائمًا لمئات السنين، فيما تُنسب إلى أشجار أخرى أعمار تصل إلى آلاف السنين.
ومن أشهرها أشجار الزيتون القديمة في قرية الولجة قرب بيت لحم، إلى جانب كروم معمرة في سلفيت ونابلس ورام الله ومناطق أخرى، فضلًا عن حقول الزيتون القديمة في الجليل، ومنها عرابة وسخنين ودير حنا.
وتنتشر في فلسطين أصناف محلية متعددة، من أبرزها الصوري والنبالي، وقد تكيفت عبر أجيال طويلة مع طبيعة الأرض والمناخ، فيما تعتمد مساحات واسعة من كروم الزيتون تقليديًا على مياه الأمطار.
ليلة المعصرة.. انتظار "الزيت الجديد"
لكن القطف ليس نهاية اليوم. فبالنسبة لكثير من العائلات، تبدأ مرحلة أخرى عند الوصول إلى المعصرة.
هناك، تنتظر الأكياس أو الصناديق دورها، وتتحول ساعات الانتظار إلى جلسة اجتماعية أخرى، قبل اللحظة التي يبدأ فيها الزيت الجديد بالخروج من المعصرة بلونه الأخضر ورائحته النفاذة.
وتبقى تجربة تذوق أول زيت للموسم من الذكريات التي تتكرر كل عام: قطعة خبز ساخنة تُغمس في الزيت الطازج، أحيانًا مع قليل من الملح، لتكون بمثابة الإعلان الحقيقي عن اكتمال الموسم.
ومع الزيت الجديد تعود أكلات فلسطينية ارتبطت به تاريخيًا، وفي مقدمتها المسخن، إلى جانب المطبق والفطير وفطائر الزعتر والسبانخ وقلاية البندورة، وغيرها من الأطباق التي يشكل زيت الزيتون عنصرًا أساسيًا فيها.
"الزيت عماد البيت"
ولم يكن غريبًا أن يدخل الزيتون إلى الأمثال الشعبية أيضًا. فالقول المتوارث "الزيت عماد البيت" يلخص مكانته الغذائية والاقتصادية في حياة العائلة، فيما يعكس مثل "من قمحنا وزيتنا، عمارة بيتنا" الدور الذي أداه محصولا القمح والزيت تاريخيًا في توفير الغذاء والاستقرار للأسر الريفية.
فالزيتون لا ينتهي دوره عند الثمرة. زيته للطعام، وحطبه للتدفئة، واستُخدم خشبه في الحرف والمنحوتات التقليدية، فيما تدخل مخلفات العصر المعروفة بـ"الجفت" في استخدامات متعددة، وشكّل زيت الزيتون تاريخيًا المادة الأساسية في صناعة الصابون النابلسي.
اقتصاديًا، يمثل القطاع مصدر دخل لآلاف العائلات والمزارعين والعاملين في الزراعة والمعاصر، ما يجعل نجاح الموسم أو تراجعه مسألة تتجاوز حدود الكرم الواحد.
موسم يتغير.. والذاكرة باقية
تغيرت أدوات القطف، وتراجعت بعض العادات القديمة، وأصبحت القطافات الكهربائية تحل في أماكن كثيرة محل الأيدي التي كانت تقضي نهارًا كاملًا على شجرة واحدة، كما لم تعد "العِزبة" في الكروم مشهدًا مألوفًا كما كانت في الماضي.
لكن شيئًا أساسيًا بقي كما هو: في كل خريف، تعود العائلات إلى الأرض، ويجلس الجد والحفيد تحت الشجرة نفسها، وتتكرر استراحة الطعام والشاي، ثم رحلة المعصرة وانتظار أول قطرات الزيت.
وهكذا يبقى موسم الزيتون في فلسطين أكثر من موسم للحصاد؛ فهو موعد سنوي تتقاطع فيه الأرض بالعائلة، والعمل بالذاكرة، والرزق بالتراث، في حكاية تتجدد مع كل موسم وتنتقل من جيل إلى آخر.






