شهدت منطقة الخليج، فجر اليوم الأربعاء، تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما شنت القوات الأمريكية سلسلة غارات واسعة استهدفت أكثر من ثمانين موقعًا عسكريًا داخل الأراضي الإيرانية، ردًا على الهجمات التي طالت ثلاث ناقلات تجارية في مضيق هرمز خلال الساعات الماضية، في وقت أعادت فيه واشنطن فرض قيود مشددة على صادرات النفط الإيراني.
ويأتي التصعيد بالتزامن مع تصريحات حادة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال إن مذكرة التفاهم مع إيران "انتهت"، مهاجمًا طهران بلهجة غير مسبوقة، فيما تتزايد المخاوف من انهيار وقف إطلاق النار الهش واتساع رقعة المواجهة إلى دول خليجية تستضيف قواعد ومواقع عسكرية أمريكية.
هجوم جديد عىل ناقلة غاز
وأعلنت ظهر اليوم شركة قطر لنقل الغاز المحدودة (ناقلات) أن ناقلة الغاز الطبيعي المسال الركيات تعرضت لإصابة بمقذوف أثناء إبحارها في مضيق هرمز أمس. وقالت الشركة إنه "لم يُصب أي من أفراد الطاقم بأذى، كما لم يسفر الحادث عن أي تأثيرات بيئية".
ضربات أمريكية استمرت خمس ساعات
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها نفذت عملية عسكرية استمرت نحو خمس ساعات، استخدمت خلالها ذخائر دقيقة لاستهداف عشرات المواقع العسكرية الإيرانية، مؤكدة أن العملية جاءت ردًا على ما وصفته بـ"الاعتداءات الإيرانية غير المبررة" على سفن تجارية كانت تعبر مضيق هرمز.
وقالت القيادة إن الضربات استهدفت منظومات دفاع جوي، ومراكز قيادة وسيطرة، ورادارات ساحلية، ومنصات لإطلاق صواريخ مضادة للسفن، إضافة إلى أكثر من ستين زورقًا تابعًا للحرس الثوري الإيراني، مؤكدة أن الهدف من العملية هو "فرض ثمن باهظ على إيران" بسبب استهدافها سفنًا مدنية وتهديدها حرية الملاحة.
انفجارات في عدة مدن إيرانية
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع انفجارات في مدينة سيريك الساحلية، وجزيرة قشم، ومدينة بندر عباس، إضافة إلى جزيرة خرج النفطية، وسط تقارير عن استهداف مرافق بحرية ومدنية، بينها أرصفة للصيد وزوارق مدنية، فضلًا عن اندلاع حرائق في عدد من القوارب بميناء بندر عباس.
كما أشارت تقارير إلى إصابة عدد من الأشخاص في الهجمات، قبل أن تعلن السلطات الإيرانية لاحقًا عودة الأوضاع إلى طبيعتها في بعض المناطق المستهدفة. ولم تعلن طهران حتى الآن حصيلة نهائية للخسائر، في حين تتحدث واشنطن عن استهداف بنى عسكرية مرتبطة بالحرس الثوري.
إيران ترد باستهداف مواقع أمريكية في الخليج
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجمات استهدفت مواقع عسكرية أمريكية في البحرين والكويت، مؤكدًا أن العملية جاءت ردًا على "العدوان الأمريكي وانتهاك وقف إطلاق النار".
وأضاف الحرس الثوري أنه أسقط طائرة أمريكية مسيرة من طراز MQ-9، في حين دوت صفارات الإنذار في البحرين والكويت عقب الهجمات. وأعلن الجيش الكويتي أن الدفاعات الجوية تصدت لهجمات "معادية" بالصواريخ والطائرات المسيّرة، دون صدور معلومات رسمية مفصلة بشأن حجم الأضرار أو الخسائر.
ويُعد دخول البحرين والكويت إلى دائرة الاستهداف المباشر تطورًا بالغ الخطورة، نظرًا لوجود مواقع عسكرية أمريكية رئيسية في البلدين، ما يرفع احتمالات توسع المواجهة إلى أكثر من ساحة في الخليج.
واشنطن تعيد فرض العقوبات النفطية
وجاء التصعيد العسكري بالتزامن مع إعلان الولايات المتحدة إلغاء الترخيص الذي كان يسمح باستمرار بيع النفط الإيراني، في خطوة تعيد تشديد العقوبات الاقتصادية على طهران.
وأكد مسؤول أمريكي أن القرار جاء بعد استهداف ثلاث ناقلات في مضيق هرمز، محذرًا من أن أي اعتداءات جديدة على الملاحة الدولية ستكون لها "عواقب وخيمة".
وأدى التصعيد إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية بنحو خمسة في المئة، وسط مخاوف من اضطرابات واسعة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات تصدير النفط في العالم.
طهران: لن نتراجع أمام الضغوط
ورفضت إيران الاتهامات الأمريكية، حيث أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده لم تنتهك مذكرة التفاهم مع واشنطن، وقال إن إيران أوفت بجميع التزاماتها "بحسن نية"، متهمًا الولايات المتحدة بعدم الالتزام بتعهداتها.
بدوره، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن "زمن الابتزاز قد انتهى"، مؤكدًا أن بلاده "لن تتراجع" أمام الضغوط الأمريكية.
أما مستشار المرشد الإيراني محسن رضائي، فأعلن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعتزم تنفيذ هجمات جديدة ضد إيران، مضيفًا أن بلاده "على أهبة الاستعداد بالكامل لأي تصعيد قادم".
كما أدانت وزارة الخارجية الإيرانية إعادة فرض العقوبات على صادرات النفط، معتبرة أن القرار يمثل خرقًا لمذكرة التفاهم، ومؤكدة أن طهران ستتخذ "كل الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها وأمنها القومي".
ترامب يصعّد من قمة الناتو
وفي موازاة التطورات الميدانية، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، إن مذكرة التفاهم مع إيران "انتهت"، مضيفًا أنه لا يريد التعامل مع الإيرانيين. كما انتقد ترامب مواقف الحلف بشأن إيران، معتبرًا أن الولايات المتحدة لا تحظى بمعاملة منصفة داخل الناتو وتتحمل أعباء مالية غير متناسبة.
وجاءت هذه التصريحات في وقت يسعى فيه ترامب إلى حشد دعم أطلسي أوسع للموقف الأمريكي من إيران، بعدما اتهمت واشنطن طهران بخرق وقف إطلاق النار وتهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
إلغاء زيارة وزير الدفاع الأمريكي إلى إسرائيل
وفي تطور لافت، ألغى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث زيارته التي كانت مقررة إلى إسرائيل، رغم التخطيط الأصلي لوصوله إليها في ظل التصعيد الإقليمي. ويقيم هيغسيث حاليًا في تركيا، حيث يشارك في قمة الناتو إلى جانب الرئيس دونالد ترامب.
وكان من المقرر أن يلتقي هيغسيث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، في زيارة كانت ستبحث التطورات الأمنية في المنطقة والتصعيد مع إيران، إلى جانب القلق الإسرائيلي من احتمال موافقة واشنطن على بيع مقاتلات F-35 لتركيا.
ويُنظر إلى إلغاء الزيارة على أنه مؤشر إضافي إلى الارتباك والتسارع في إدارة الأزمة الإقليمية، في ظل انشغال الإدارة الأمريكية بقمة الناتو وبالتداعيات المباشرة للتصعيد العسكري مع إيران في الخليج.
تحذيرات للطيران المدني واتساع المخاطر
وفي مؤشر على اتساع رقعة الخطر، أوصت وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي شركات الطيران بعدم تسيير رحلات في المجالين الجويين لإيران والعراق، بسبب التوترات واحتمال وقوع عمليات عسكرية إضافية. كما دعت شركات الطيران إلى توخي الحذر عند التحليق في أجواء البحرين والكويت وإسرائيل والأردن وقطر وعُمان والإمارات والسعودية.
وتزيد هذه التحذيرات من المخاوف بشأن أمن الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة، خصوصًا مع احتمال استمرار الضربات المتبادلة وعدم وجود مؤشرات على عودة قريبة إلى مسار التهدئة.
مخاوف من مواجهة أوسع
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة المواجهة العسكرية في الخليج، وما قد يترتب عليها من تداعيات خطيرة على أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة العالمية.
وبين الضربات الأمريكية داخل إيران، والرد الإيراني في البحرين والكويت، وإلغاء زيارة وزير الدفاع الأمريكي إلى إسرائيل، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، قد تحدد مصير وقف إطلاق النار الهش ومذكرة التفاهم التي باتت واشنطن تعتبرها منتهية، بينما تؤكد طهران أنها لن تتراجع أمام الضغوط.
First published: 00:45, 08.07.26

