في زمن الشاشات السريعة: المتاحف تستعيد جمهورها

الإقبال القياسي على معرض فريدا كالو في لندن يعكس عودة الجمهور إلى التجربة الثقافية الحية، بعد سنوات من هيمنة المنصات الرقمية والاستهلاك السريع للصور 

1 عرض المعرض
متحف بيكاسو
متحف بيكاسو
متحف بيكاسو
(فلاش 90)
في وقت تتسارع فيه الصور على شاشات الهواتف ومنصات التواصل، يبدو أن المتاحف والمعارض الفنية تستعيد مكانتها بوصفها مساحة مختلفة للتأمل والتجربة البصرية المباشرة. فقد حقق معرض “فريدا: صناعة أيقونة” في متحف Tate Modern بلندن رقمًا قياسيًا في مبيعات التذاكر المسبقة، إذ بيع أكثر من 41 ألف تذكرة قبل افتتاحه المقرر في 25 حزيران/ يونيو، متجاوزًا الرقم السابق الذي سجله معرض ديفيد هوكني عام 2017.
هذا الإقبال لا يعكس شعبية فريدا كالو فقط، بل يكشف عن تحوّل أوسع في علاقة الجمهور بالفن. فبعد سنوات من الاعتماد المكثف على المحتوى الرقمي، يبدو أن قطاعات واسعة من الجمهور تبحث عن تجربة لا تختصر العمل الفني في صورة عابرة، بل تمنحه سياقه، وحجمه، وملمسه، والوقت اللازم للتفاعل معه.

فريدا كالو كحالة ثقافية

تتمتع فريدا كالو بحضور يتجاوز اللوحة إلى مجالات الهوية، والنسوية، والجسد، والألم، والذاكرة الشخصية. ويضم المعرض أكثر من 30 عملًا من أعمالها، إلى جانب أكثر من 80 عملًا لفنانين آخرين، في محاولة لتقديم صورتها بعيدًا عن الاستهلاك التجاري لشخصيتها كأيقونة شعبية.
ولهذا، لا يمكن النظر إلى الإقبال على معرضها كحدث فني عابر. فالجمهور لا يذهب فقط لمشاهدة لوحات، بل لملاقاة سيرة إنسانية تحولت إلى رمز عالمي. في زمن الصورة السريعة، تمنح المعارض الكبرى للناس فرصة لإعادة قراءة الصورة ببطء، وفهم ما وراءها من تاريخ وتجربة ومعنى.

المتحف كبديل عن الخوارزمية

تقوم المنصات الرقمية على السرعة والاختيار الآلي، بينما يقدم المتحف تجربة معاكسة تقريبًا. الزائر لا يتلقى ما تقترحه الخوارزمية، بل يتحرك في فضاء منظم بعناية، يربط بين العمل الفني والسياق التاريخي والشخصي والسياسي. وهذا ما يجعل العودة إلى المعارض نوعًا من مقاومة الإرهاق البصري الذي يخلقه التدفق الدائم للصور.
وتشير مؤسسات ثقافية في بريطانيا إلى أن المعارض الكبرى باتت مهمة ليس فقط ثقافيًا، بل ماليًا أيضًا، لأنها تساعد المتاحف في جذب جمهور واسع وتعويض بعض التحديات التي تواجهها بعد سنوات من انخفاض أعداد الزوار مقارنة بما قبل جائحة كورونا.

ذاكرة جماعية لا تجربة فردية فقط

في النهاية، تبدو عودة الجمهور إلى المتاحف تعبيرًا عن حاجة أعمق إلى التجربة المشتركة. فمشاهدة عمل فني في قاعة مزدحمة تختلف عن رؤيته منفردًا على شاشة هاتف. هناك إحساس بأن الفن يستعيد حضوره كذاكرة جماعية، لا كصورة معزولة تمر في ثوانٍ بين آلاف الصور الأخرى.