السعودية تعود إلى الحرب في اليمن وسط تصاعد تهديدات الحوثيين للملاحة وإمدادات النفط

الرياض تسعى إلى تأمين طرق تصدير النفط واستعادة حرية تحركها العسكري، وسط دعم استخباراتي أمريكي وتحركات لتعزيز التعاون الدفاعي مع باكستان وتركيا، فيما تبقى السيطرة على صنعاء خارج الأهداف المؤكدة للعملية. 

تعود المملكة العربية السعودية إلى المواجهة العسكرية في اليمن، في ظل تصاعد التهديدات التي تشكلها جماعة الحوثي على أمن الملاحة البحرية والبنية التحتية النفطية، وسط تقديرات بأن قرار الرياض استئناف العمليات العسكرية لا يرتبط بالضرورة بالسعي إلى حسم الحرب أو السيطرة على العاصمة صنعاء، بقدر ما يهدف إلى حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية واستعادة قدرتها على مواجهة التهديدات الإقليمية. وبحسب تحليل نشره موقع «واللا» الإسرائيلي، فإن السعودية التي سعت خلال السنوات الماضية إلى تقليص انخراطها في الحرب اليمنية، وتوجيه مواردها نحو مشاريع التنمية الاقتصادية، وجدت نفسها أمام واقع أمني جديد، أصبحت فيه تكلفة الامتناع عن التدخل العسكري أعلى من تكلفة العودة إلى المواجهة.
عملية "فجر اليمن" وأهداف الرياض العسكرية تشكل عملية فجر اليمن، وفق التحليل، محاولة سعودية لاستعادة هامش التحرك العسكري والاستراتيجي الذي تراجع خلال الفترة الماضية، خصوصًا في ظل تنامي قدرة الحوثيين على تهديد المنشآت الحيوية وطرق الملاحة الدولية. ولم تعد التهديدات الحوثية مقتصرة على المناطق الحدودية بين السعودية واليمن، بل امتدت إلى الممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب، الذي يمثل أحد أهم منافذ الملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن. وتخشى الرياض أن تؤدي الهجمات على السفن والمنشآت النفطية إلى تعطيل صادراتها، ورفع تكاليف النقل والتأمين البحري، بما ينعكس على الاقتصاد السعودي وخطط التنمية التي تعمل المملكة على تنفيذها. ورغم استئناف العمليات العسكرية، لا يبدو أن التقدم نحو العاصمة اليمنية صنعاء يمثل هدفًا محسومًا للقيادة السعودية، في ظل المخاطر العسكرية والسياسية التي قد تترتب على توسيع نطاق المواجهة.
واشنطن تكتفي بالدعم الاستخباراتي بدل التدخل المباشر وتأتي التطورات في ظل تباين بين الرياض وواشنطن بشأن طبيعة التدخل العسكري المطلوب لمواجهة الحوثيين. ووفق التقرير، طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقديم مساعدة عسكرية لمواجهة الجماعة، إلا أن الإدارة الأمريكية امتنعت عن الانخراط المباشر في العمليات القتالية، واكتفت بعرض الدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف العسكرية. ويشير التحليل إلى أن هذا الموقف يعكس حدود الالتزام العسكري الأمريكي تجاه حلفائه الإقليميين، خصوصًا مع استمرار المواجهة مع إيران وما تتطلبه من موارد عسكرية واهتمام استراتيجي. وفي المقابل، تجد السعودية نفسها مضطرة إلى تحمل الجزء الأكبر من المخاطر والتكاليف المرتبطة بالحملة العسكرية، رغم أهمية المساعدات الأمريكية في مجالات الاستخبارات وتحديد الأهداف.
السعودية تتجه نحو باكستان وتركيا لتعزيز قدراتها الدفاعية وفي إطار البحث عن بدائل إضافية للدعم العسكري، تتجه الرياض إلى تفعيل ترتيبات التعاون الدفاعي مع باكستان وتركيا، في محاولة لتوسيع شبكة الشراكات الأمنية وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. غير أن التحليل يشير إلى أن وجود اتفاقيات وتفاهمات دفاعية لا يعني بالضرورة توافر قدرات عسكرية جاهزة للتدخل الفوري، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بعمليات تتطلب تنسيقًا ميدانيًا واستخباراتيًا واسعًا. وتبرز هذه التحديات في وقت تواجه فيه السعودية تهديدات متزامنة للمنشآت النفطية والمطارات والموانئ وخطوط الملاحة، الأمر الذي يفرض عليها إعادة تقييم منظومة الحماية الأمنية والاقتصادية.
مضيق هرمز وباب المندب.. تهديد مزدوج لصادرات النفط وتتزامن عودة السعودية إلى المواجهة في اليمن مع تغيرات في حركة صادرات النفط عبر مضيق هرمز، حيث يشير التقرير إلى تعافي صادرات عدد من دول الخليج رغم التهديدات الإيرانية والاضطرابات البحرية. ويعكس استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط تراجع قدرة إيران على تحويل القيود المفروضة على الملاحة إلى حصار اقتصادي طويل الأمد، رغم استمرار ارتفاع تكاليف التأمين والنقل والمخاطر المرتبطة بعبور السفن. وفي المقابل، تزداد الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب، إذ يمكن للحوثيين، من خلال تهديد الملاحة في البحر الأحمر، ممارسة ضغوط إضافية على صادرات الطاقة وحركة التجارة الدولية. وتواجه السعودية بذلك معضلة استراتيجية تتمثل في أن التهديدات في مضيق هرمز تدفعها إلى الاعتماد بصورة أكبر على طرق التصدير الغربية، بينما يهدد الحوثيون الممر البحري الذي تعتمد عليه هذه البدائل.
خط أنابيب شرق–غرب ينقل نحو 4 ملايين برميل يوميًا وفي محاولة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، تستخدم السعودية خط أنابيب النفط "شرق–غرب"، الذي ينقل النفط من المناطق الشرقية للمملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، أعلن وزير الطاقة السعودي إعادة القدرة التشغيلية للخط إلى نحو 5.8 ملايين برميل يوميًا، في حين يجري تحويل نحو 4 ملايين برميل يوميًا عبره باتجاه الغرب. ورغم أهمية هذا الخط بوصفه بديلًا استراتيجيًا لتصدير النفط، فإن فعاليته تبقى مرتبطة بضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، الأمر الذي يمنح التهديدات الحوثية في محيط باب المندب أهمية اقتصادية وعسكرية متزايدة.
هل تتوسع الحرب نحو صنعاء؟ وتشير التقديرات الواردة في التحليل إلى أن السعودية قد تسعى من خلال عمليتها العسكرية إلى إضعاف قدرة الحوثيين على تهديد مصالحها، وتأمين خطوط التصدير والممرات البحرية، دون الانجرار بالضرورة إلى حملة برية واسعة للسيطرة على العاصمة صنعاء. ويعكس هذا التوجه المحتمل تحولًا في الحسابات السعودية، من محاولة تحقيق حسم عسكري شامل في اليمن إلى التركيز على حماية المصالح الحيوية وتقليص المخاطر الأمنية والاقتصادية. وبين التهديدات الإيرانية في مضيق هرمز والهجمات الحوثية المحتملة في البحر الأحمر، تجد الرياض نفسها أمام تحدٍ استراتيجي يتمثل في ضمان استمرار صادرات النفط والحفاظ على استقرار اقتصادها، دون الدخول في حرب طويلة ومكلفة يصعب تحديد نهايتها. وتبقى طبيعة الأهداف العسكرية السعودية ومدى اتساع العمليات خلال المرحلة المقبلة عاملين حاسمين في تحديد ما إذا كانت المواجهة ستظل محدودة، أم ستتطور إلى جولة جديدة من الحرب في اليمن.