تحوّل هرمون الكورتيزول، المعروف باسم "هرمون التوتر"، خلال الفترة الأخيرة إلى حديث واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، متصدراً ما يُعرف بالترندات الصحية، وسط تحذيرات أطلقها مؤثرون من أعراض قالوا إنها ناجمة عن ارتفاعه المزمن، مثل الاستيقاظ فجراً، وانتفاخ الوجه أو ما يُسمّى "وجه الكورتيزول"، إضافة إلى تراكم الدهون في منطقة البطن.
ورافق هذا الزخم انتشار أنظمة غذائية، وتمارين، بل وحتى ما عُرف بـ"كوكتيل الكورتيزول"، زُعم أنها تساعد على خفض هذا الهرمون والتخلّص من التوتر، ما دفع كثيرين إلى التساؤل حول مدى صحة هذه الادعاءات.
لكن أطباء ومختصين في الغدد الصماء حذّروا من الانجراف وراء هذه النصائح، واعتبروا أن ما يجري هو في معظمه "ترند مضلّل"، مؤكدين أن الكورتيزول ليس هرموناً شريراً، بل عنصر أساسي لا يمكن للجسم أن يعمل من دونه.
وأوضح المختصون أن الكورتيزول يُفرَز من الغدد الكظرية فوق الكلى، ويلعب دوراً محورياً في تنظيم الالتهاب، والمناعة، والتمثيل الغذائي، وضغط الدم، إلى جانب وظائف حيوية أخرى. كما أشاروا إلى أن مستوياته تتغيّر بشكل طبيعي على مدار اليوم، إذ تكون مرتفعة صباحاً عند الاستيقاظ، وتنخفض ليلاً قبل النوم، كما ترتفع عند المرض أو التعرّض للضغط النفسي.
وفي هذا السياق، قال الدكتور روبرتو سالفاتوري، طبيب الغدد الصماء في جامعة جونز هوبكنز: "يتم تنظيم مستوى الكورتيزول دقيقة بدقيقة، وهو هرمون شديد الحساسية"، مؤكداً أن "من النادر جداً أن يعاني شخص من اضطراب صحي سببه الكورتيزول وحده".
وبيّن الأطباء أن اضطرابات الكورتيزول الحقيقية نادرة، وتشمل حالات معروفة مثل قصور الغدة الكظرية، ومنها مرض أديسون، أو متلازمة كوشينغ الناتجة عن ارتفاع مفرط في الهرمون، وغالباً بسبب أورام حميدة في الغدة الكظرية أو النخامية، وهي حالات تتطلّب تشخيصاً دقيقاً وعلاجاً طبياً منظماً.
وحذّر المختصون من إجراء فحوصات الكورتيزول دون استشارة طبية، نظراً لتداخل أعراض ارتفاعه أو انخفاضه مع أمراض كثيرة أخرى، مثل الإرهاق، فقدان الوزن، انخفاض أو ارتفاع ضغط الدم، هشاشة العظام، اضطرابات النوم، وزيادة الوزن وتراكم الدهون في الوجه والبطن.
وقالت الدكتورة كايتي غوتنبرغ، أخصائية الغدد الصماء في هيوستن: "هناك تفاصيل دقيقة جداً في تفسير نتائج الكورتيزول، وهذا ما يجعلني قلقة من إقدام المرضى على طلب الفحوصات بأنفسهم دون إشراف طبي"، مشيرة إلى أن فحصاً واحداً للدم لا يفيد معظم الناس، وقد يسبّب قلقاً غير مبرر.
وفيما يتعلق بالمكمّلات الغذائية، شدد أطباء الغدد الصماء على أنه لا توجد علاجات مثبتة تُباع دون وصفة طبية لعلاج اضطرابات الكورتيزول، رغم الترويج لمواد مثل الأشواغاندا والمغنيسيوم على أنها تخفّض مستوياته. وحذّر الدكتور جيمس فايندلينغ من تناول هذه المنتجات، قائلاً: "هذه المكمّلات ليست بريئة، وخفض الكورتيزول أكثر من اللازم قد يسبّب مشكلات صحية خطيرة".
كما أشار سالفاتوري إلى ما يُعرف بـ"متلازمة كوشينغ الكاذبة"، وهي حالة أخف قد تُظهر أعراضاً مشابهة دون وجود ورم، وقد تكون مرتبطة بالإدمان على الكحول أو أمراض مزمنة أخرى.
وختم الأطباء بالتأكيد على أن التعامل مع التوتر يجب أن يبدأ من الأساسيات، مثل التغذية الصحية، والنوم الكافي، والنشاط البدني، والعلاج النفسي عند الحاجة، بدلاً من التركيز المفرط على هرمون واحد وتحويله إلى مصدر قلق يومي.


