تتصاعد المخاوف الأمنية في أوروبا من اتساع نطاق المواجهة مع روسيا، في ظل سلسلة من عمليات التخريب والهجمات بالمسيّرات والتهديدات للبنى التحتية التي تنسبها حكومات أوروبية إلى موسكو، بالتزامن مع استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا.
وتأتي هذه التطورات بينما تشهد روسيا، بين 18 و20 أيلول، أول انتخابات برلمانية منذ بدء الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022. وتشير تقارير إلى أن معظم المرشحين المناهضين للحرب مُنعوا من خوض الانتخابات، فيما يُتوقع استمرار هيمنة حزب "روسيا الموحدة" المؤيد للرئيس فلاديمير بوتين على مجلس الدوما.
ألمانيا تتهم روسيا بمحاولة هجوم في لايبزيغ
وكانت ألمانيا قد وجهت مطلع أيلول اتهامًا رسميًا إلى روسيا بالمسؤولية عن محاولة هجوم بالمسيّرات في مطار لايبزيغ/هاله في 4 آب، بعد العثور على مسيّرة محملة بالمتفجرات قرب طائرة شحن أوكرانية.
وقال وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت إن التحقيقات الأمنية والاستخباراتية تشير إلى مسؤولية روسية، معتبرًا أن العملية تتوافق مع نمط أنشطة تنسبها برلين إلى موسكو في أنحاء أوروبا. روسيا، من جانبها، رفضت الاتهامات الألمانية.
الحكومة الألمانية ردت بإجراءات شملت إغلاق القنصلية الروسية في بون و"البيت الروسي" في برلين، وتشديد القيود على دخول مواطنين روس والتحرك ضد ما يُعرف بـ"أسطول الظل" الروسي.
من المسيّرات إلى التخريب.. القلق يمتد عبر أوروبا
ولا تقتصر المخاوف على ألمانيا، إذ تتحدث دول أوروبية عن تزايد عمليات التخريب والحرق والهجمات الإلكترونية والأنشطة المرتبطة بالمسيّرات، وسط اتهامات لموسكو باستخدام أدوات تقع دون مستوى الحرب التقليدية المباشرة.
هذا التصعيد دفع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى الدعوة لإنشاء "مجلس أمن أوروبي" ووضع آلية مشتركة لمواجهة أعمال التخريب والتهديدات الهجينة، في ظل القلق المتزايد من قدرة الدول الأوروبية على التعامل بصورة موحدة مع مثل هذه العمليات.
ضربات قرب الحدود البولندية ترفع مستوى التأهب
وتزايد القلق خصوصًا على الجبهة الشرقية للناتو، بعد ضربات روسية قرب الحدود الأوكرانية مع بولندا. وفي 13 أيلول، استهدفت روسيا منطقة قريبة من معبر دوروهوسك–ياهودين، فيما قالت موسكو إن الهدف كان بنى تحتية تُستخدم لدعم نقل الشحنات العسكرية الأوروبية إلى أوكرانيا.
وفي حادثة أخرى في اليوم نفسه، قالت السكك الحديدية الأوكرانية إن ضربة روسية أصابت قطارًا قرب الحدود البولندية، بعد وقت قصير من مرور شخصيات غربية، بينها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ديفيد بترايوس.
السيناريو الذي يقلق الناتو: عملية عسكرية محدودة
إلى جانب عمليات التخريب، يتركز أحد أبرز السيناريوهات المطروحة في النقاشات الأمنية الأوروبية على احتمال تنفيذ روسيا مستقبلًا عملية عسكرية محدودة ضد إحدى دول الجناح الشرقي للناتو، بدلًا من شن حرب واسعة ضد الحلف.
ويقوم السيناريو المتداول على محاولة السيطرة السريعة على منطقة محدودة في إحدى دول البلطيق، بما يضع أعضاء الناتو أمام اختبار بشأن تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف، التي تعتبر الهجوم على دولة عضو هجومًا على جميع الأعضاء.
ولا يعني تداول هذا السيناريو وجود معلومات مؤكدة بأن موسكو قررت تنفيذه؛ فهو جزء من تقديرات المخاطر والاستعدادات العسكرية الأوروبية، بينما تنفي روسيا اتهامات غربية عديدة بشأن أنشطتها في أوروبا.
بولندا تحذر من هجمات قد تبدو "عرضية"
وفي مؤشر إضافي على مستوى القلق، حذّر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من معلومات تشير، بحسب قوله، إلى احتمال تنفيذ روسيا هجمات هجينة بواسطة صواريخ أو مسيّرات ضد دول في الناتو، مع محاولة إظهارها على أنها حوادث عرضية بهدف اختبار رد فعل الحلف وإضعاف وحدته.
في المقابل، تتباين المواقف داخل أوروبا بشأن كيفية التعامل مع موسكو. فقد قال رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو إن بعض السياسيين الغربيين يدفعون، وفق رأيه، باتجاه مواجهة بين روسيا والناتو، محذرًا من خطر الانزلاق إلى حرب أوسع.
أوروبا تعيد حساباتها الأمنية
هذه التطورات تدفع دولًا أوروبية إلى مراجعة خططها الدفاعية والأمنية، سواء عبر تعزيز الصناعات العسكرية أو حماية المنشآت والبنى التحتية الحساسة والاستعداد لهجمات إلكترونية وأعمال تخريب.
وبينما لا تزال الحكومات الغربية تصف كثيرًا من الأنشطة المنسوبة إلى روسيا بأنها "حرب هجينة"، يتصاعد النقاش داخل أوروبا حول النقطة التي يمكن عندها أن تتحول مثل هذه العمليات إلى مواجهة مباشرة، خصوصًا إذا وقع هجوم واسع ومثبت على أراضي إحدى دول حلف شمال الأطلسي.


