الزميل محمد مجادلة: إعلان المفاوضات مع لبنان مفاجئ ويأتي في ذروة التصعيد العسكري
راديو الناس
02:35
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه وجّه الحكومة الإسرائيلية إلى البدء، في أقرب وقت ممكن، بمفاوضات مباشرة مع لبنان، وذلك في أعقاب ما وصفه بـ"توجّهات متكررة" من الجانب اللبناني لفتح مسار تفاوضي مباشر بين الطرفين.
وأوضح نتنياهو أن المفاوضات المرتقبة ستركّز، بحسب قوله، على نزع سلاح حزب الله وتنظيم العلاقات بين إسرائيل ولبنان، في إطار ما اعتبره مسارًا نحو ترتيبات سياسية وأمنية بين الجانبين.
وأضاف أن إسرائيل تنظر بإيجابية إلى ما وصفه بدعوة رئيس الوزراء اللبناني إلى إخلاء بيروت من السلاح، معتبرًا أن هذه الخطوة تشكّل، وفق تعبيره، مؤشرًا مهمًا في سياق التطورات المرتبطة بالوضع الأمني والسياسي في لبنان.
ووفقا لما أوردته مصادر إسرائيلية فإنّ سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر سيقود المفاوضات من جانب إسرائيل. ولايتر، دكتور في الفلسفة السياسية، ومحاضر وباحث في منتدى "شيلوه" للسياسات، ومساعد سابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومن سكان مستوطنة "ألون شفوت" جنوب غرب القدس.
مفاوضات تحت النار؟
وفي صعيد متصل، جاء في توضيح صادر عن مصدر إسرائيلي، في أعقاب إعلان رئيس الوزراء أنّ:"المفاوضات ستُجرى في هذه المرحلة تحت النار، والاستعدادات مستمرة لمواصلة الهجمات."، فيما نقلت (BBC) عن مسؤولين لبنانيين قولهم إنّ :"خيارنا هو المفاوضات ولكن قبل ذلك وقف إطلاق النار".
ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول لبناني رفيع قوله إن لبنان يعمل على التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت يمهّد الطريق لإجراء محادثات مع إسرائيل، مشيرًا إلى أن أي مفاوضات ستُدار عبر مسار منفصل، لكن وفق نموذج مشابه للآلية التي أفضت إلى وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، والتي جرت بوساطة باكستان. وأضاف المسؤول أنه لم يتم حتى الآن تحديد موعد أو مكان لإجراء محادثات وقف إطلاق النار، مؤكدًا أن لبنان يرى ضرورة وجود الولايات المتحدة كجهة ضامنة لأي اتفاق محتمل مع إسرائيل.
قراءة مع الزميل محمد مجادلة: لماذا جاء إعلان المفاوضات مع لبنان مفاجئًا وفي ذروة التصعيد العسكري؟
اعتبر الزميل محمد مجادلة أن إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاستعداد لبدء مفاوضات مباشرة مع لبنان يشكّل تطورًا مفاجئًا في توقيته ومضمونه، خاصة أنه يأتي في ظل استمرار القصف الإسرائيلي المكثف على الأراضي اللبنانية، وفي أعقاب انتقادات واسعة لإسرائيل بشأن خرق وقف إطلاق النار مع إيران.
وأوضح مجادلة أن نتنياهو لا يتحدث فقط عن مسار تفاوضي محدود، بل طرح هدفين مركزيين لهذه المفاوضات، يتمثلان في نزع سلاح حزب الله داخل لبنان، والتوصل إلى اتفاق سلام كامل بين إسرائيل ولبنان، وليس مجرد تطبيع أو ترتيبات سياسية جزئية، وهو ما يعكس تحولًا لافتًا في مستوى الخطاب السياسي الإسرائيلي.
وأشار إلى أن عنصر المفاجأة لا يقتصر على توقيت الإعلان، بل يشمل أيضًا استخدام مصطلح «اتفاق سلام» في ظل استمرار العمليات العسكرية وسقوط مئات القتلى والجرحى في الغارات الأخيرة على لبنان، ما يجعل الانتقال من التصعيد العسكري إلى الحديث عن مفاوضات مباشرة خلال أيام قليلة تطورًا دراماتيكيًا في المشهد السياسي.
وفي ما يتعلق بقيادة الوفد الإسرائيلي المفاوض، قال مجادلة إن الصورة لم تُحسم بعد بشكل نهائي، وسط تداول اسمين رئيسيين هما سفير إسرائيل الحالي في الولايات المتحدة يحيئيل لايتر، والسفير السابق لدى واشنطن والمقرّب من نتنياهو رون ديرمر، مشيرًا إلى أن التقديرات ترجّح احتمال أن يتولى ديرمر قيادة هذا المسار.
أما على الجانب اللبناني، فتشير المعطيات، بحسب مجادلة، إلى أن رئيس الجمهورية جوزيف عون قد يقود المفاوضات بشكل مباشر.
وأضاف أن إسرائيل تتحدث حتى الآن عن إجراء المفاوضات من دون وقف إطلاق نار مسبق، في حين يؤكد مسؤولون لبنانيون لعدة وسائل إعلام أن أي مفاوضات مع إسرائيل لن تبدأ قبل وقف الهجمات الإسرائيلية، ما يعكس فجوة واضحة في مواقف الطرفين بشأن شروط إطلاق المسار التفاوضي.
ورأى مجادلة أن هذا التطور يمثل تحولًا دراماتيكيًا مفاجئًا في المشهد السياسي، لكنه يواجه تحديات كبيرة، في ظل حساسية الوضع الداخلي اللبناني وحجم الخسائر البشرية الناتجة عن التصعيد العسكري، إضافة إلى صعوبة تحقيق توافق داخلي لبناني واسع على مسار تطبيعي أو اتفاق سلام مع إسرائيل في هذه المرحلة.
وأشار إلى أن هذا المسار قد يشكّل، في المقابل، مخرجًا سياسيًا محتملًا لنتنياهو، سواء على صعيد تهدئة الضغوط الداخلية في إسرائيل أو الاستجابة للمطالب الأميركية الداعية إلى تقليص الهجمات على لبنان.
تصعيد عسكري واسع في لبنان
وتأتي هذه التطورات في ظل تصعيد عسكري واسع شهدته الساحة اللبنانية، حيث استيقظت العاصمة بيروت على مشهد دمار واسع عقب سلسلة غارات جوية إسرائيلية متزامنة استهدفت مناطق مختلفة من الجنوب اللبناني وصولًا إلى قلب العاصمة.
ووفق معطيات المديرية العامة للدفاع المدني اللبناني، أسفرت الغارات عن مقتل أكثر من 250 شخصًا وإصابة ما يزيد على 1100 آخرين، في حصيلة مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات البحث تحت الأنقاض في المناطق المتضررة.
وفي مستشفى رفيق الحريري الجامعي، أفادت طواقم طبية بوجود ضغط غير مسبوق على أقسام الطوارئ، وسط تدفق أعداد كبيرة من الجرحى، كثير منهم في حالات حرجة، فيما يعمل الأطباء والممرضون بشكل متواصل منذ ساعات الصباح الأولى.
بدورها، قالت منظمة أطباء بلا حدود إن المستشفيات شهدت تدفقًا جماعيًا غير مسبوق للمصابين، في حين وصفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ما جرى بأنه “موت ودمار” في مناطق مكتظة بالسكان، في إشارة إلى حجم الخسائر الإنسانية الناجمة عن الغارات.
وشملت الضربات استهداف مبنى سكني في منطقة تلة الخياط وسط بيروت، ما أدى إلى انهيار أجزاء كبيرة منه وتحوله إلى ركام، كما طالت غارة أخرى الضاحية الجنوبية لبيروت قبيل منتصف الليل، وهي منطقة تُعد أحد أبرز معاقل حزب الله.
وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت يتصاعد فيه الحديث سياسيًا عن إمكان فتح مسار تفاوضي مباشر بين إسرائيل ولبنان، وسط ضغوط إقليمية ودولية متزايدة لاحتواء التصعيد العسكري ومنع توسع رقعة المواجهة في المنطقة.


