من إيران إلى السعودية: ترتيبات أمريكية تعيد رسم المنطقة بعيدًا عن إسرائيل

مسؤول أمريكي بارز تحدث أمام مسؤول إسرائيلي عن استعداد طهران للانفتاح على الغرب، فيما تتقدم دول الخليج في مشروع الممر الاقتصادي الإقليمي من دون إسرائيل

1 عرض المعرض
ترامب يستقبل بن سلمان
ترامب يستقبل بن سلمان
ترامب يستقبل بن سلمان
(تصوير شاشة)
كشف تقرير إسرائيلي عن تقديرات متداولة داخل دوائر مؤثرة في الإدارة الأمريكية، تتحدث عن إمكانية حدوث تحول استراتيجي غير مسبوق في إيران، قد يقودها إلى تغيير موقعها الإقليمي والتقارب مع الغرب، في وقت تتقدم فيه ترتيبات اقتصادية وسياسية جديدة في الشرق الأوسط من دون مشاركة إسرائيل.
وبحسب التقرير، التقى مسؤول أمريكي رفيع المستوى ومقرب من دوائر صنع القرار مؤخرًا بمسؤول إسرائيلي، وأبلغه بأن "حدثًا دراماتيكيًا" قد يقع في الشرق الأوسط، وأن إيران تستعد، وفق التصور الأمريكي، للانتقال إلى الضفة الغربية من النظام الدولي وفتح صفحة جديدة في علاقاتها الخارجية.
ونُقل عن المسؤول الأمريكي قوله إن تغييرًا تاريخيًا يتطور داخل إيران، واصفًا ما يجري بأنه أشبه بمرحلة "البيريسترويكا"، في إشارة إلى سياسة الإصلاح والانفتاح التي قادها الزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي.

واشنطن تراهن على "غورباتشوف إيراني"

وأثار هذا الطرح دهشة المسؤول الإسرائيلي، خصوصًا أنه جاء في ظل استمرار الهجمات الأمريكية على مواقع داخل إيران، وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية، إلى جانب الهجمات التي تنفذها طائرات مسيرة وصواريخ تابعة للحرس الثوري ضد ناقلات تحاول عبور مضيق هرمز.
لكن التقرير أشار إلى وجود مسؤولين مؤثرين في واشنطن يعتقدون أن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الإيراني، قد يتحول إلى ما يشبه "غورباتشوف التيار الأصولي الشيعي"، ويقود عملية تغيير داخلية تفتح الطريق أمام تقارب إيراني مع الولايات المتحدة والغرب.
ووفق التقرير، رأى المسؤول الإسرائيلي في البداية أن هذه التقديرات تبدو بعيدة عن الواقع وعن تقييمات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، قبل أن يأخذ في الحسبان قدرة الإدارة الأمريكية على مفاجأة إسرائيل والمنطقة، كما حدث في ملفات المحتجزين الإسرائيليين ولبنان وسوريا.

مشروع إقليمي يتقدم من دون إسرائيل

بالتوازي مع الحديث عن التحولات المحتملة في إيران، كشف التقرير أن وفودًا من دول الخليج والسعودية وصلت بهدوء إلى واشنطن خلال الأسبوع الماضي لإجراء محادثات حول مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي المعروف باسم "IMEC"، والذي أُطلق عليه سابقًا اسم "ممر السلام".
ويهدف المشروع إلى إقامة شبكة واسعة من السكك الحديدية والموانئ وخطوط نقل البضائع، تربط الهند وآسيا بدول الخليج والشرق الأوسط، وصولًا إلى أوروبا.
وكانت الخطة الأصلية تنص على مرور الممر من سواحل الخليج إلى ميناء حيفا، بما يجعل إسرائيل محطة مركزية في نقل البضائع بين آسيا وأوروبا.
وأعلن الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عن المشروع في سبتمبر/أيلول 2023، باعتباره جزءًا من استراتيجية أمريكية لتعزيز نفوذ واشنطن في المنطقة، وربط الاقتصادات الإقليمية، ودعم مسار التطبيع بين إسرائيل والسعودية.
وأعلنت الرياض حينها استعدادها لاستثمار عشرات مليارات الدولارات في المشروع، إلا أن التقرير أشار إلى أن إسرائيل تعاملت ببطء مع الخطة، قبل أن تؤدي الحرب إلى تجميد مسار التطبيع ومعظم المشاريع المرتبطة به.

"قطار السلام" يتجاوز حيفا

ومع مرور الوقت، توسع المشروع ليشمل، إلى جانب السكك الحديدية، بنى تحتية للاتصالات والألياف الضوئية والأمن السيبراني والهيدروجين الأخضر والذكاء الاصطناعي وأنظمة الأتمتة.
إلا أن التغيير الأبرز، وفق التقرير، يتمثل في إخراج إسرائيل من المسار الجديد للمشروع، بحيث لم تعد حيفا المحطة النهائية للممر الإقليمي.
ويعني ذلك أن دول المنطقة تواصل بناء شبكة تعاون اقتصادي واستراتيجي جديدة، بينما تجد إسرائيل نفسها خارج "قطار السلام"، بالمعنيين السياسي والاقتصادي.

مبادرة سعودية لإدارة قطاع غزة

وتناول التقرير تفاصيل اتصالات جرت بين إدارة بايدن وولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال صيف عام 2024، جرى خلالها بلورة صيغة شاملة لإنهاء الحرب في قطاع غزة والتقدم نحو تطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب.
وبحسب الصيغة التي نوقشت، كان من المفترض التوصل إلى صفقة لإعادة المحتجزين الإسرائيليين، ووقف الحرب بصورة دائمة، مع احتفاظ إسرائيل بشريط أمني أو نطاق سيطرة داخل قطاع غزة.
وأشار التقرير إلى أن محمد بن سلمان أبلغ الإدارة الأمريكية استعداده لإرسال جنود سعوديين للمشاركة في إدارة قطاع غزة بعد الحرب، ضمن قوة أو هيئة جديدة تتولى المسؤولية بدلًا من حركة حماس.
وكانت الرؤية الأمريكية تقوم على تقديم ولي العهد السعودي باعتباره قائدًا إقليميًا نجح في وقف الحرب وإراقة الدماء، وإعادة جميع المحتجزين، وإطلاق مرحلة سياسية جديدة في المنطقة.

التطبيع مقابل مسار لدولة فلسطينية

بعد وقف إطلاق النار وإدخال جهة جديدة لإدارة قطاع غزة، كان من المفترض، بحسب التقرير، الانتقال إلى تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.
وفي المقابل، تلتزم إسرائيل بفتح مسار سياسي واقعي يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية خلال فترة تتراوح بين 5 و7 سنوات.
وذكر التقرير أن الصيغة النهائية التي عُرضت على ولي العهد السعودي ونالت موافقته، تضمنت التزامًا إسرائيليًا بقيام الدولة الفلسطينية ضمن هذه المدة.
كما نقل التقرير عن الجانب السعودي رسالة طمأنة لإسرائيل، مفادها أن تأخر إقامة الدولة الفلسطينية لن يؤدي بصورة تلقائية إلى إسقاط اتفاق التطبيع، وأن الرياض قد تحمل السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس مسؤولية التعطيل في حال عدم إحراز تقدم.
وبحسب هذه الصيغة، لم تكن السعودية تعتزم إلغاء الاتفاق في عام 2034 لمجرد أن الدولة الفلسطينية لم تُقم بعد، ما دام المسار السياسي قائمًا والالتزامات الأساسية مستمرة.

ضمانات أمريكية واسعة للرياض

وفي مقابل التطبيع، كان من المفترض أن تقدم الولايات المتحدة سلسلة من المبادرات والضمانات الحيوية للسعودية، تتعلق بالتعاون الأمني والدفاعي والاقتصادي والتكنولوجي.
وكانت بعض هذه الخطوات تحتاج إلى أغلبية كبيرة داخل مجلس الشيوخ الأمريكي، الأمر الذي تطلب تنسيقًا سياسيًا واسعًا بين الإدارة الأمريكية والكونغرس.
وأدركت إدارة بايدن، وفق التقرير، أن الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش قد ينسحبان من الحكومة ويحاولان إسقاطها فور توقيع اتفاق إقليمي يتضمن التزامًا بمسار نحو دولة فلسطينية.
لهذا السبب، توجهت الإدارة الأمريكية إلى رئيس المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد وشخصيات سياسية أخرى، وطلبت منهم منح حكومة بنيامين نتنياهو "شبكة أمان" برلمانية لعدة أشهر، بما يسمح بإتمام صفقة المحتجزين والتطبيع مع السعودية والترتيبات الإقليمية المرتبطة بها.

نتنياهو رفض شبكة الأمان

ووفق التقرير، وافق لبيد على منح الحكومة شبكة الأمان المطلوبة، وأُبلغ نتنياهو بذلك، إلا أن رئيس الحكومة الإسرائيلية رفض المضي في المبادرة.
ويخلص التقرير إلى أن رفض الخطة أدى إلى تفويت فرصة سياسية واستراتيجية كانت قد تشمل إعادة المحتجزين، ووقف الحرب، وإبعاد حماس عن إدارة غزة، وتحقيق التطبيع مع السعودية، وإدخال إسرائيل في مشروع اقتصادي إقليمي واسع.
وفي الوقت الذي تراهن فيه واشنطن على إمكانية تحول إيران، وتمضي السعودية ودول الخليج في تطوير مشاريع اقتصادية وأمنية جديدة، تواجه إسرائيل خطر البقاء خارج الترتيبات التي قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.