أثارت تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بشأن الاستعداد لاحتمال فرض عقوبات اقتصادية ومصرفية دولية على إسرائيل، من خلال تطوير نظام مالي بديل يعتمد، ضمن خيارات أخرى، على العملات الرقمية وتقنية "البلوك تشين"، موجة واسعة من الانتقادات السياسية والاقتصادية، اليوم السبت، قبل 3 أيام من انتخابات الكنيست المقررة الثلاثاء المقبل.
وتصاعد الجدل بعد تصريحات لرئيس حزب "يشار" غادي آيزنكوت، الذي اتهم نتنياهو بالتسبب في تراجع مكانة إسرائيل الدولية، محذرًا من أن اقتراح الالتفاف على النظام المصرفي العالمي قد يقود إلى أضرار جسيمة بقطاع التكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية والاقتصاد الإسرائيلي عمومًا.
وجاءت هذه الانتقادات بالتزامن مع تحذيرات لمسؤولين اقتصاديين سابقين وخبراء مصرفيين وأكاديميين، اعتبروا أن العملات المشفّرة لا تستطيع أن تشكل بديلًا متكاملًا للنظام المالي العالمي، وأن مجرد الحديث عن الاستعداد لعزلة مصرفية قد يضر بثقة المستثمرين بالاقتصاد الإسرائيلي.
خلفية التصريحات: نتنياهو يحذر من عقوبات مصرفية دولية
وبدأت القضية إثر مقابلة أجراها نتنياهو، الجمعة، مع القناة الاقتصادية الإسرائيلية 10، أقر خلالها بأنه يشعر بالقلق من احتمال فرض عقوبات اقتصادية دولية، قد تمتد إلى القطاع المصرفي الإسرائيلي.
وقال نتنياهو إن إسرائيل تحتاج إلى الاستعداد لاحتمال فرض عقوبات مصرفية، من خلال تطوير منظومة اقتصادية بديلة قادرة على التعامل مع هذه القيود. وعندما سُئل عما إذا كان يقصد العملات المشفّرة وتقنية "البلوك تشين"، أكد أنها إحدى البدائل المطروحة، مضيفًا أنه طلب بالفعل إعداد خطة بهذا الشأن.
وتطرق نتنياهو كذلك إلى مستقبل المساعدات العسكرية الأمريكية، معتبرًا أن إسرائيل ينبغي أن تستعد لمرحلة تتراجع فيها هذه المساعدات أو تتوقف، في ظل التغيرات التي تشهدها الولايات المتحدة.
وجاءت هذه التصريحات على خلفية إجراءات غربية استهدفت مستوطنات وأنشطة مرتبطة بها في الضفة الغربية، وتصاعد المخاوف من توسع العقوبات إلى قطاعات اقتصادية أخرى.
ولم يقل نتنياهو إن إسرائيل قررت بالفعل التخلي عن النظام المصرفي الدولي أو اعتماد العملات المشفّرة عملة بديلة، بل تحدث عن إعداد خيارات احتياطية لمواجهة عقوبات محتملة.
آيزنكوت: نتنياهو انتقل إلى عالم الأوهام
وهاجم رئيس حزب "يشار" غادي آيزنكوت تصريحات نتنياهو بشدة، معتبرًا أنها تعكس عجزًا عن معالجة الأزمة الدولية التي تواجهها إسرائيل.
وقال آيزنكوت، في تصريحات نشرها اليوم السبت، إن "نتنياهو انتقل إلى عالم الأوهام"، متهمًا إياه باقتراح فصل إسرائيل عن الاقتصاد العالمي باعتباره حلًا للتراجع الدولي الذي قال إنه تسبب به بنفسه. ووصف آيزنكوت المقترح بأنه تعبير عن فقدان القدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة، متسائلًا عن الطريقة التي ستتمكن بها شركات التكنولوجيا الإسرائيلية من تلقي المدفوعات من زبائنها في الخارج أو الحصول على استثمارات أجنبية إذا تعطل ارتباطها بالنظام المصرفي العالمي.
وتساءل أيضًا عن كيفية تمكن شركة عالمية مثل غوغل من شراء شركة إسرائيلية إذا أصبحت مطالبة بتجاوز النظام المصرفي الدولي وتنفيذ المدفوعات باستخدام العملات المشفّرة. وحذر آيزنكوت من أن التداعيات المحتملة لهذه السياسة قد تشمل فقدان وظائف، وتراجع الإيرادات العامة المخصصة للصحة والتعليم، والإضرار بالأمن القومي الإسرائيلي.
لبيد: هذه حلول تلجأ إليها دول معزولة عن العالم
وانضم رئيس المعارضة يائير لبيد إلى الانتقادات، معتبرًا أن الحديث عن استخدام العملات المشفّرة للالتفاف على العقوبات يمثل اعترافًا بخطورة المسار الاقتصادي الذي وصلت إليه إسرائيل.
وقال لبيد إن مثل هذه الحلول ترتبط بدول مثل إيران وروسيا وفنزويلا، التي تواجه قيودًا على علاقاتها المصرفية الدولية، وتجد شركاتها صعوبات في تلقي المدفوعات وتنفيذ المعاملات الخارجية.
واتهم لبيد الحكومة بتبني سياسات قد تعرض إسرائيل للعزلة الاقتصادية، بدلًا من العمل على منع فرض العقوبات والحفاظ على العلاقات التجارية والمالية مع الدول الغربية.
ليبرمان: العملات المشفّرة لا توفر حصانة من العقوبات
وهاجم رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان مقترح نتنياهو، معتبرًا أنه يعكس انفصالًا عن الواقع الاقتصادي، وأن الحكومة ينبغي أن تعمل على منع العزلة الدولية بدلًا من البحث عن طرق للالتفاف عليها.
وأوضح ليبرمان أن المعاملات التي تُنفذ عبر تقنية "البلوك تشين" يمكن تتبعها، وأن استخدام العملات المشفّرة لا يمنع بالضرورة فرض القيود على المدفوعات أو تجميد التعاملات.
واتهم نتنياهو كذلك بعرقلة تنظيم قطاع العملات الرقمية في إسرائيل خلال السنوات الماضية، رغم تقديمه اليوم هذه التكنولوجيا باعتبارها أحد الحلول الاقتصادية الممكنة.
خبراء اقتصاديون: البلوك تشين ليس بديلًا عن البنوك العالمية
ولم تقتصر الانتقادات على الأحزاب السياسية، إذ حذر مسؤولون اقتصاديون ومصرفيون سابقون من تداعيات المقترح. وقال المراقب السابق على البنوك، يائير أفيدان، إن تقنية "البلوك تشين" ليست وسيلة قانونية لتجاوز العقوبات، موضحًا أن تحويل المعاملات إلى شبكة رقمية لا يلغي القيود القانونية أو التزامات الجهات المشاركة فيها.
بدوره، حذر المدير العام السابق لوزارة المالية، ياروم أرياف، من أن هذا التوجه قد يضع إسرائيل في وضع شبيه بدول تواجه عزلة مالية دولية، مثل إيران.
أما البروفيسور يائير زيمون، من جامعة تل أبيب، فحذر من تداعيات محتملة تشمل هروب الاستثمارات، وتراجع قيمة الشيكل، وارتفاع التضخم، وتعطل الاستيراد والتجارة الدولية إذا فقد الاقتصاد الإسرائيلي إمكانية التعامل مع النظام المصرفي العالمي.
وأكد الخبراء أن الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد على الاستثمارات الأجنبية، والتصدير والاستيراد، والتعاون التكنولوجي، وأن العملات المشفّرة لا تستطيع وحدها تعويض هذه العلاقات.
قطاع الهايتك يحذر من إغلاق الشركات وهروب الاستثمارات
وحذر مقر قطاع الهايتك الإسرائيلي، الذي يمثل عشرات المسؤولين في صناعة التكنولوجيا، من أن التعامل مع العزلة الاقتصادية باعتبارها واقعًا لا يمكن منعه قد يهدد أحد أهم محركات النمو الاقتصادي في البلاد. وأوضح في بيان أن الشركات التكنولوجية تعتمد بصورة أساسية على الأسواق الدولية والاستثمارات الخارجية، وأن فرض قيود مصرفية واسعة قد يؤدي إلى إغلاق شركات، وتوقف استثمارات، ونقل أنشطة تجارية وتكنولوجية إلى خارج إسرائيل.
واعتبر أن المطلوب من الحكومة هو الحفاظ على العلاقات الاقتصادية الدولية والعمل على منع العقوبات، بدلًا من الاكتفاء بإعداد وسائل للتعامل مع آثارها بعد فرضها.
تقارير: المؤسسات الاقتصادية لا تعرف شيئًا عن الخطة
وفي تطور لافت، ذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم" أن مسؤولين في القطاع المصرفي وشركات الاستثمار والتأمين، إلى جانب جهات اقتصادية حكومية، فوجئوا بتصريحات نتنياهو بشأن إعداد نظام مالي بديل. ونقلت الصحيفة عن مسؤول اقتصادي رفيع قوله إنه لا توجد خطة طوارئ معروفة لمواجهة سيناريو العقوبات المصرفية الذي تحدث عنه نتنياهو.
كما أفاد موقع "واينت" بأن مسؤولين في الوزارات الاقتصادية، وحتى مسؤولين كبارًا في مكتب رئيس الحكومة، لا يعرفون بوجود فريق يعمل على إعداد الخطة التي تحدث عنها نتنياهو. ولم يصدر، وفق التقارير التي اطلعت عليها، عرض رسمي مفصل للخطة أو جدول زمني لتنفيذها.
وامتدت المخاوف إلى المدخرات التقاعدية، إذ حذر مسؤول في مؤسسة استثمارية كبيرة، في تصريحات لصحيفة "يسرائيل هيوم"، من أن فرض عقوبات مصرفية شاملة قد يصعّب الوصول إلى الأصول المالية المستثمرة خارج إسرائيل.
وأوضح أن نحو نصف المحافظ الاستثمارية للمؤسسات المالية الإسرائيلية موجود خارج البلاد، وأن فقدان إمكانية الوصول إليها سيخلق صعوبات خطيرة في إدارة أموال التقاعد وصرف المستحقات.
كما أظهرت بيانات نقلتها الصحيفة عن بنك إسرائيل أن نشاط الشركات الإسرائيلية خارج البلاد أصبح يشكل جزءًا متزايدًا من النمو الاقتصادي، ما يزيد أهمية استمرار ارتباط الاقتصاد الإسرائيلي بالأسواق الخارجية.


