يكشف مشروع قانون الأراضي الجديد المدرج ضمن قانون التسويات لموازنة 2026 عن مخاطر اقتصادية واجتماعية كبيرة تهدد المجتمع العربي بشكل خاص، في مقدمتها تعريض آلاف العائلات لفقدان أراضٍ مملوكة لها منذ عقود بسبب تراكم العبء الضريبي السنوي عليها. القانون يعيد فرض ضريبة الأملاك على الأراضي غير المبني عليها بعد أكثر من عشرين عامًا على إلغائها، لكن بصيغة جديدة أخطر تُهدِّد بتعميق الأزمات القائمة أصلًا في البلدات العربية بدل حلّها.
ضريبة الأملاك، في حال إقرارها نهائيًا، ستُفرض سنويًا بنسبة 1.5% من قيمة الأرض، ولا تقتصر على الأراضي الفارغة بالكامل، بل تشمل أيضًا أراضي يوجد عليها بناء جزئي فقط. فبحسب القانون، ستُفرض الضريبة على أراضٍ عليها بناء قائم إذا كان هذا البناء يستغل أقل من 10% من حقوق البناء المسموح بها، ما يعني أن وجود بناء صغير أو قديم لا يعفي من الضريبة طالما بقيت غالبية حقوق البناء غير مستغلة. هذا الشرط ينطبق على أراضٍ عليها بناء قائم قبل 1 مارس 2026.
أما في حالات البناء المستقبلي، فإن الإعفاء من الضريبة مشروط باستغلال 30% على الأقل من حقوق البناء بحسب مخطط تفصيلي مصادق عليه. هذا الشرط يشكّل عبئًا إضافيًا في المجتمع العربي، حيث تعاني معظم البلدات من نقص حاد في المخططات المصادق عليها، ما يجعل تحقيق هذا الشرط شبه مستحيل خلال فترة قصيرة.
أحد أخطر جوانب القانون يتمثل في فرض الضريبة أيضًا على أراضٍ لا يمكن البناء عليها فعليًا. في المجتمع العربي توجد آلاف الدونمات التي لا يمكن استصدار تراخيص بناء عليها بسبب غياب التخطيط أو تأخير المصادقة على الخرائط الهيكلية، وهي عراقيل لا تعود إلى تقصير أصحاب الأراضي. رغم ذلك، لا يمنح القانون إعفاء تلقائيًا في هذه الحالات، ما يعني إمكانية مطالبة المالك بدفع ضريبة سنوية على أرض لا يستطيع استغلالها أصلًا. هذا الواقع يحوّل الضريبة من أداة يفترض أن تشجع البناء وتحل أزمة السكن، إلى عبء مالي على أصحاب الأراضي، ووسيلة لسلب العرب أراضيهم.
القانون يشمل أيضًا أراضي زراعية ما زالت تُستخدم للزراعة، إذا تجاوزت قيمة الدونم الواحد 60 ألف شيكل. أي أن مزارعين عربًا قد يُطالبون بدفع ضريبة سنوية على أراضٍ مزروعة ومستغلة، فقط لأن الدولة قدّرت قيمة الدونم بأكثر من 60 ألف شيكل. الإعفاء ينطبق فقط على الأراضي الزراعية التي تقل قيمة الدونم فيها عن 60 ألف شيكل.
في هذا السياق، توجهت قيادات عربية إلى وزير المالية محذّرة من تبعات القانون على المجتمع العربي، مشيرة إلى أن طبيعة الملكية الخاصة والمشاعية للأراضي في المجتمع العربي، وغياب التخطيط في البلدات العربية، وصعوبة استغلال الأراضي خلال فترات زمنية قصيرة، وما يتطلّبه ذلك من المرور بإجراءات بيروقراطية طويلة ومكلفة، تجعل العائلات العربية الفئة الأكثر تضررًا. الخشية الأساسية هي أن يؤدي الضغط الضريبي المتراكم إلى دفع أصحاب أراضٍ، ووارثيها أبًا عن جدّ، خصوصًا من ذوي الدخل المحدود، إلى بيع أراضيهم لتسديد الضريبة المتراكمة.
منذ بدء النقاش حول القانون، صدرت العديد من الانتقادات والتحذيرات بشأنه عن خبراء قانونيين واقتصاديين ومحامين مختصين بقوانين الأراضي، بعضهم شارك في لجان رسمية سابقة، أو كان مشاركًا في النقاشات التي رافقت إلغاء الضريبة عام 2000، وحتى جهات حكومية مثل وزارة العدل. هؤلاء يحذّرون من تكرار أخطاء الماضي، حيث فُرضت الضريبة في الماضي على أراضٍ لم يكن بالإمكان البناء عليها فعليًا، وهو ما أدى إلى تقديم التماسات قضائية ضد الدولة، وإلى الإقرار بأن الضريبة شكّلت عبئًا ماليًا فقط من دون تحقيق الهدف المعلن منها بتشجيع البناء. وقد أكدت وزارة العدل سابقًا أن القانون يُشكّل تمييزًا واضحًا ضد العرب، لأنّ حصتهم من هذه الأراضي التي يستهدفها القانون تصل إلى 40%، أي أعلى من نسبتهم من السكان البالغة قرابة 22%.
على مستوى المسار التشريعي، أقرت الحكومة القانون وصودق عليه بالقراءة الأولى ضمن موازنة الدولة، وهو الآن بانتظار مناقشات لجنة المالية في الكنيست قبل القراءتين الثانية والثالثة.


