أعاد التهديد الإسرائيلي باستهداف الحي المسيحي في مدينة صور جنوبي لبنان تسليط الضوء على أحد أقدم أحياء المدينة وأكثرها ارتباطًا بتاريخها الاجتماعي والديني، في ظل تصعيد عسكري متواصل يطال الجنوب اللبناني، ويثير مخاوف من اتساع دائرة الاستهداف إلى مناطق سكنية وتراثية حساسة.
فالحي المعروف محليًا باسم "حارة المسيحيين"، والذي يحتضن كنائس ومباني تراثية وأزقة قديمة، وجد نفسه فجأة في قلب مشهد التهديدات العسكرية، بعدما لوّح الجيش الإسرائيلي بإصدار إنذار لإخلائه، بزعم وجود نشاط لعناصر من "حزب الله" داخله.
ويكتسب هذا التهديد حساسية خاصة، ليس فقط بسبب الطابع السكني للحي، بل أيضًا لرمزيته في مدينة صور، التي تُعد من أقدم المدن المأهولة في العالم، وتمثل نموذجًا تاريخيًا للتعدد الديني والاجتماعي في لبنان، فضلًا عن احتضانها مواقع أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، اليونسكو.
تهديد إسرائيلي يثير القلق
وكان متحدث الجيش الإسرائيلي أفيحاي أدرعي قد أعلن، عبر منصة "إكس"، أن الجيش أصدر في الأسبوع الماضي إنذارات بإخلاء مناطق في مدينة صور، بزعم وجود نشاط لـ"حزب الله" وخرقه لاتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدًا أن تلك الإنذارات لم تشمل الحي المسيحي في المدينة.
إلا أن أدرعي ادعى، في الوقت نفسه، أنه جرى رصد نشاط لعشرات من عناصر الحزب داخل الحي، مهددًا بأنه في حال استمرار وجودهم ونشاطهم هناك، فإن الجيش الإسرائيلي سيصدر إنذارًا بإخلاء الحي.
وجاء هذا التهديد في سياق تصعيد أوسع تشهده مدينة صور ومحيطها، بعد إصدار إنذارات إخلاء لمناطق واسعة في المدينة وأحيائها، تبعتها غارات إسرائيلية على مناطق جنوبية عدة. كما دفع التحذير الأخير الجيش اللبناني إلى اتخاذ إجراءات أمنية واحترازية في المنطقة، وسط حالة من القلق بين الأهالي.
حيّ يعكس صورة صور التاريخية
يقع الحي المسيحي في الجزء الشمالي الغربي من مدينة صور، ويضم كنائس ومؤسسات كنسية وتعليمية واجتماعية، إضافة إلى مبانٍ تراثية تعود إلى حقب تاريخية مختلفة. وعلى الرغم من أن مدينة صور وقضاءها يضمان غالبية شيعية، فإن الحي احتفظ بحضوره المسيحي التاريخي، وبعلاقات اجتماعية متداخلة مع بقية أحياء المدينة.
ويؤكد مسؤولون محليون أن تسمية "حارة المسيحيين" لا تعني وجود فصل طائفي صارم داخل المدينة القديمة، بل تعكس تاريخًا اجتماعيًا عمرانيًا تشكل على مدى عقود طويلة، بقيت فيه الأحياء متداخلة في الحياة اليومية والعلاقات الاقتصادية والإنسانية.
وقال عضو بلدية صور، وليد الطويل، وهو من سكان الحي، إن أحياء صور القديمة لم تقم تاريخيًا على تقسيم طائفي، بل على تداخل سكاني واجتماعي، مشيرًا إلى أن ما يجري اليوم يرتبط أيضًا بحركة نزوح مؤقتة لعائلات من مناطق جنوبية تعرضت للاستهداف، لجأت إلى أحياء أخرى داخل صور، بينها الحي المسيحي.
مخاوف من استهداف منطقة مكتظة
وأثار التهديد الإسرائيلي مخاوف من احتمال توسع دائرة الاستهداف لتشمل أحياء مكتظة بالسكان داخل صور، وهي مدينة ساحلية تُعد مركزًا سكانيًا واقتصاديًا رئيسيًا في الجنوب اللبناني، وتأوي آلاف النازحين من القرى والمناطق الحدودية.
وتزداد هذه المخاوف في ظل الضغوط الاقتصادية والخدماتية التي تعاني منها المدينة منذ بدء التصعيد، إذ يستقبل السكان المحليون أعدادًا من النازحين، بينما تواجه المؤسسات البلدية والخدمية تحديات متزايدة في تلبية الاحتياجات الأساسية.
وبات الحي، الذي كان يقصده الزوار صيفًا ويضم عائلات مسيحية عريقة، شبه فارغ في بعض أجزائه، بفعل حركة مغادرة مرتبطة بالقلق الأمني. كما يستعد بعض السكان للمغادرة تحسبًا لأي تطور مفاجئ، في مشهد يعكس حجم التوتر الذي خلفه التهديد الأخير.
من بقي في الحي؟
بحسب وليد الطويل، يضم الحي المسيحي في صور نحو 13 ألف شخص، غالبيتهم من المسيحيين، إلا أن عدد المقيمين فعليًا في بعض أحياء المدينة القديمة تراجع بصورة كبيرة خلال فترة التصعيد.
وأوضح الطويل أن عدد المقيمين في بعض المناطق القديمة لا يتجاوز حاليًا نحو ألفي شخص، أي ما يعادل قرابة 800 عائلة، بعدما كانت أعداد السكان أعلى بكثير قبل موجات المغادرة المرتبطة بالوضع الأمني.
وأشار إلى أن التقديرات المحلية أظهرت انخفاض أعداد المقيمين في مراحل سابقة إلى نحو 250 عائلة، أي حوالي 450 شخصًا، قبل أن يصل العدد في فترات ذروة التوتر إلى نحو 100 شخص فقط في بعض الأحياء.
ويعكس هذا التراجع حالة القلق المتزايد بين الأهالي، خصوصًا في ظل عدم وضوح المسار العسكري، واستمرار التهديدات الإسرائيلية لمناطق سكنية في صور وجنوب لبنان.
تراث عمراني مهدد
لا تقتصر المخاوف على سلامة السكان فحسب، بل تمتد إلى الإرث العمراني والتاريخي للمدينة. فصور تُعد من أبرز المدن التاريخية في لبنان، ويُقدّر عمرها بنحو 5000 عام، إذ مرت عليها حضارات متعددة بينها الكنعانية والفينيقية والرومانية، ما يجعلها جزءًا من التراث الإنساني العالمي.
وتضم الأحياء القديمة مباني يتراوح عمر بعضها بين 200 و250 عامًا، إلى جانب أزقة وأسواق وبيوت تراثية تشكل جزءًا من هوية المدينة. ويحذر السكان والمسؤولون المحليون من أن أي استهداف في بيئة عمرانية مكتظة قد يؤدي إلى أضرار واسعة، تتجاوز الهدف المعلن أو المباشر.
وقال الطويل إن الكثافة العمرانية والسكانية في الحي تجعل أي تصعيد محتمل خطرًا مضاعفًا، لأن الأضرار في هذه المناطق لا تبقى محصورة في موقع واحد، بل قد تمتد إلى مبانٍ متلاصقة وشوارع ضيقة ومرافق مدنية وتراثية.
وأكد أن الحي لم يتعرض حتى الآن لاستهداف إسرائيلي مباشر، وأن الوضع داخله لا يزال هادئًا نسبيًا، لكنه أشار إلى أن التوتر يسيطر على الأهالي بسبب استمرار التهديدات واحتمال تغير الأوضاع في أي لحظة
بلبلة بين الأهالي
وعلى المستوى الشعبي، أحدث التهديد الإسرائيلي حالة من البلبلة بين سكان الحي. وقال غارو ماضي، أحد سكان الحي، إن الأهالي يعيشون حالة قلق، مؤكدًا أن سكان المنطقة يعرفون بعضهم بعضًا، وأن الحي يضم عائلات وأطفالًا ونساءً، وليس منطقة عسكرية كما تحاول إسرائيل تصويره.
وشدد ماضي على أن أبناء الحي "أهل وإخوة"، وأن لا أحد غريب في هذه المنطقة، في إشارة إلى الطبيعة الاجتماعية المتداخلة التي حافظت عليها صور رغم الانقسامات السياسية والطائفية التي مر بها لبنان.
من جهته، أكد راعي أبرشية صور للروم الملكيين الكاثوليك، المتروبوليت جورج إسكندر، أن أبناء المدينة سيبقون في صور رغم الظروف الصعبة، معتبرًا أن وجودهم امتداد تاريخي متجذر في الأرض.
ودعا إسكندر إلى حماية المدنيين وتجنيب المدينة تداعيات الحرب، معربًا عن أمله في أن تسود الحكمة لمنع مزيد من التصعيد، ومؤكدًا أن "التضامن الإنساني أقوى من الخوف".
صور بين الحرب والنزوح
وتأتي هذه التطورات في وقت يواصل فيه الجنوب اللبناني دفع كلفة التصعيد العسكري، إذ تتعرض مدينة صور ومحيطها لضربات وتهديدات متكررة منذ بدء الحرب، رغم الإعلان عن وقف لإطلاق النار في السابع عشر من نيسان/ أبريل، وتمديده حتى مطلع تموز/ يوليو المقبل.
وبحسب معطيات رسمية لبنانية، أسفرت الحرب على لبنان منذ الثاني من آذار/ مارس عن مقتل 3666 شخصًا وإصابة 11321 آخرين حتى الثلاثاء، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص. ورغم الهدنة المعلنة، تستمر إسرائيل في تنفيذ قصف يومي وتفجير منازل في قرى عدة جنوبي لبنان.
ويقول سكان محليون إن استمرار هذه الحالة أنهك اللبنانيين في مختلف المناطق، سواء أولئك الذين يعيشون تحت القصف المباشر أو من يتابعون الوضع بقلق وترقب. ويشدد مسؤولون في صور على الحاجة إلى حلول تضمن مصلحة المدينة والبلد، وتعيد الاستقرار إلى الحياة اليومية.
وفي ظل هذا المشهد، يتحول الحي المسيحي في صور إلى رمز جديد لهشاشة المدنيين أمام التهديدات العسكرية، وللخطر الذي يواجه المدن التاريخية حين تدخل الأحياء التراثية في دائرة الحرب. وبين القلق من ضربة محتملة والتمسك بالبقاء، يحاول من تبقى من السكان حماية ذاكرة المكان، في مدينة عرفت عبر تاريخها الطويل كيف تعيش بتعددها، لكنها تجد نفسها اليوم أمام امتحان جديد.


