كابوس على الطرق: مشاريع البنية التحتية تحاصر السائقين بالازدحامات أيضا بالليل

إغلاق مسارات وتحويلات مفاجئة على عشرات الشوارع الرئيسية تدفع السائقين إلى البحث عن طرق بديلة، فيما تحذر جهات مهنية من أن ذروة الاختناقات ستصل خلال 3 سنوات 

1 عرض المعرض
ازدحامات مرورية
ازدحامات مرورية
ازدحامات مرورية
(Yehoshua Yosef/Flash90)
لم يعد السفر ليلًا على الطرقات في إسرائيل يعني بالضرورة قيادة هادئة وشوارع خالية من الازدحامات. ففي الأشهر الأخيرة، يجد عدد متزايد من السائقين أنفسهم عالقين في طوابير طويلة بعد منتصف الليل، نتيجة أعمال البنية التحتية التي تشمل إغلاق مسارات كاملة، وتضييق الشوارع، وتحويل حركة السير بصورة مفاجئة.
وبالنسبة إلى العاملين في الورديات الليلية أو العائدين إلى منازلهم بعد يوم عمل طويل، قد تتحول رحلة تستغرق عادة نصف ساعة إلى انتظار مرهق يمتد عشرات الدقائق، وسط شعور بأن فرص التنقل بحرية خلال الليل باتت محدودة للغاية.
ورغم أن هذه المشاريع تهدف إلى تطوير شبكة المواصلات وتحسينها مستقبلًا، فإن تزامن عشرات الأعمال في مختلف المناطق، إلى جانب القيود المفروضة على تنفيذها خلال عطلة نهاية الأسبوع، يدفع شركات البنية التحتية إلى تركيز معظم أعمالها خلال ليالي أيام الأسبوع.

رحلات أطول لتجنب الإغلاق

مور شيمش، وهي من سكان بلدة غديرا وتعمل في ورديات ليلية مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا، تقول إن أي تأخير في طريق العودة إلى المنزل يعني بالنسبة إليها وقتًا أقل للنوم. وتضيف: "بعدما علقت عدة مرات في ازدحامات استمرت أكثر من 40 دقيقة، أدركت أن تطبيقات الملاحة لا تحذر دائمًا مسبقًا من أعمال الطرق، ولذلك توقفت عن الاعتماد عليها بصورة كاملة".
وتوضح أنها باتت تختار طرقًا التفافية أطول، حتى لو أضافت مسافة ووقتًا إلى رحلتها، تجنبًا لاحتمال الوصول إلى شارع مغلق أو مسار يشهد ازدحامًا حادًا. وتقول: "بدلًا من السفر نحو نصف ساعة عبر شارع 4، أصبحت أسلك شارع 42، مرورًا برحوفوت وشارع 40 باتجاه الجنوب. الرحلة أطول، لكنها أقل مخاطرة. الوضع محبط ومرهق".

أعمال واسعة على الشوارع الرئيسية

ولا تقتصر الظاهرة على منطقة واحدة، إذ تنفذ شركة "نتيفي يسرائيل" عشرات مشاريع البنية التحتية والتطوير على عدد من الشوارع المركزية، من بينها شوارع 1 و2 و4 و5 و6، ومسارات أيالون، إضافة إلى الشوارع 40 و65 و70 و71 و77 و85 و90. وتشمل الأعمال توسيع الشوارع، وإقامة تقاطعات وجسور، وتعبيد المسارات، وترميم المنشآت القائمة، إلى جانب تحسين شبكات تصريف المياه والإنارة.
وفي منطقة تل أبيب الكبرى، تنفذ شركة "نتاع"، المسؤولة عن مشاريع النقل في منطقة غوش دان، أعمالًا مرتبطة بالخطين الأخضر والبنفسجي للقطار الخفيف، إلى جانب التحضيرات الأولية لمشروع المترو.
وتتسبب هذه الأعمال بإغلاق مسارات وتحويل حركة السير في محاور عديدة، من بينها مسارات أيالون، وشارع 4، وشارع 461، وطريق هشلوم، وطريق نمير، وشارع ابن غفيرول، وطريق ألوف سديه، وطريق بن غوريون في رمات غان، ومفترق مسوبيم.
كما تعمل شركة "نتيفي أيالون" على مشروع المسارات السريعة، وعلى تطوير خط الحافلات السريعة الأزرق في ريشون لتسيون ونس تسيونا ورحوفوت، إلى جانب بدء الأعمال في الخط البني الذي سيمر في بئر يعقوب وريشون لتسيون والرملة واللد.
وتضاف إلى ذلك مشاريع أخرى في بيت شيمش وأور يهودا وبيتح تكفا، وأعمال لتطوير محور أريئيل شارون، فضلًا عن قيام قطار إسرائيل بتمديد الأرصفة على طول مسارات أيالون استعدادًا لتشغيل قطارات كهربائية جديدة. وتنفذ شركة "عابر إسرائيل" أعمالًا ليلية على شارع 6 باتجاه الشمال، تشمل إغلاق مقاطع بين مفترق عيرون ومفترق عين توت.

لماذا تتركز الأعمال ليلًا؟

تقف خلف هذا الواقع قيود قانونية وسياسية تحدّ من تنفيذ أعمال البنية التحتية خلال أيام السبت وعطلة نهاية الأسبوع. ووفق قانون ساعات العمل والراحة، فإن منح تصريح للعمل يوم السبت يتطلب موافقة الجهة المختصة في وزارة العمل، ويقتصر عادة على الحالات الطارئة أو عندما يُتوقع أن يتسبب عدم تنفيذ العمل بخسائر اقتصادية كبيرة.
وبحسب جهات تعمل في مجال البنية التحتية، فإن هذه التصاريح تُمنح بصورة محدودة للغاية، مع وجود اختلاف بين الهيئات المختلفة، إذ يُسمح لقطار إسرائيل بتنفيذ أعمال محدودة خلال السبت، بينما تُجبر غالبية الشركات الأخرى على نقل أعمالها إلى ليالي أيام الأسبوع.
وفي الماضي، كانت مشاريع هندسية معقدة تُنفذ خلال عطلة نهاية الأسبوع، مستفيدة من انخفاض حركة السير وإمكانية إغلاق المقاطع لفترات متواصلة. لكن السياسة التي اتبعتها وزارة المواصلات خلال السنوات الأخيرة أدت إلى تقليص هذه الأعمال وتحويل معظمها إلى الليالي العادية.

وقت عمل قصير وتكلفة أعلى

ولا تبدأ الإغلاقات عند منتصف الليل فقط، بل تضطر الشركات في كثير من الأحيان إلى نشر الحواجز وإغلاق المسارات منذ الساعة 22:00 أو 23:00، حين تكون حركة السير ما تزال نشطة.
ويؤدي مجرد نشر الحواجز وترتيب موقع العمل إلى تأخير السائقين لمدة تتراوح في المتوسط بين 15 و20 دقيقة، قبل أن تبدأ الأعمال الهندسية الفعلية. وفي المقابل، يتعين على الطواقم إزالة المعدات وفتح الشوارع مجددًا قبل الساعة 05:00 صباحًا، ما يترك لها عددًا قليلًا من ساعات العمل الصافية.
أما العمل خلال عطلة نهاية الأسبوع، فيمكن أن يوفر نحو 30 ساعة متواصلة، تسمح بتنفيذ عمليات هندسية تتطلب استمرارية، مثل تجفيف المواد أو رفع الجسور وتركيب المنشآت الضخمة.
ويؤدي تقطيع العمل إلى تأثير متسلسل يطيل مدة تنفيذ المشاريع ويرفع تكلفتها، إذ إن أعمالًا كان من الممكن إنجازها خلال عطلة أسبوع واحدة قد تستمر أشهرًا، مع إغلاق الشوارع عدة ليالٍ متتالية.

"يجب تنفيذ الأعمال حين يكون الضرر أقل"

أوري كيدار، المدير العام لحركة "إسرائيل حرة"، يرى أن تنفيذ أعمال الطرق والسكك الحديدية يجب أن يتم في الوقت الذي يكون فيه الضرر على الجمهور في أدنى مستوى ممكن. ويقول: "الوقت الأنسب لتنفيذ هذه الأعمال هو عطلة نهاية الأسبوع. هذا هو القرار الصحيح مهنيًا، والأكثر نجاعة من الناحية الاقتصادية".
ويضيف: "نقل الأعمال إلى أيام الأسبوع يتعارض مع رأي الجهات المهنية، ويؤدي إلى إلحاق ضرر بالغ بروتين حياة ملايين المواطنين، ويفرض ازدحامات مرورية لا تُحتمل كل ليلة". ويتابع: "إدارة البنية التحتية في دولة متقدمة تتطلب قرارات مهنية تستند إلى الكفاءة ومصلحة الجمهور، لا إلى اعتبارات وإملاءات أخرى".

تل أبيب في قلب الأزمة

وتبدو منطقة غوش دان، وخاصة تل أبيب، الأكثر تأثرًا بتعدد المشاريع وتداخلها. وتقول نائبة رئيس بلدية تل أبيب-يافا والمسؤولة عن ملف المواصلات، ميتال لهافي، إن المدينة تمر بعملية تطوير ضخمة سبق أن مرت بها مدن عالمية أخرى منذ القرن التاسع عشر، ولا يوجد حل سحري يسمح بتجنب الازدحامات بالكامل.
وتوضح أن نحو 1,400 موقع بناء يعمل في تل أبيب-يافا بالتزامن، من بينها قرابة 400 مشروع للبنية التحتية المحلية أو المرتبطة بالمنطقة الحضرية الكبرى.
وتقول: "وصلنا إلى وضع تشهد فيه المدينة ازدحامات في معظم ساعات اليوم، وحتى خلال عطلة نهاية الأسبوع. نحاول ألا نسمح بأكثر من 3 إغلاقات أسبوعية في المنطقة نفسها، لكننا لا ننجح دائمًا في ذلك".
وتحذر لهافي من أن التحدي الأكبر ما يزال في المستقبل، مع تنفيذ مشروع مترو غوش دان، الذي يتضمن إقامة 100 محطة، من بينها 20 محطة تحت الأرض داخل تل أبيب-يافا.

الذروة خلال 3 سنوات

عينات فلدمان، نائبة المدير العام لشؤون المرور في شركة "نتاع"، تقول إن الشركة تنقل المعلومات إلى السلطات المحلية بصورة مبكرة وشفافة، وتعرض منذ الآن الطرق والمقاطع التي ستغلق بعد عامين.
وتضيف: "نحن لا ننفذ تقريبًا إغلاقات محكمة بالكامل. المترو، مثل القطار الخفيف، لن يوقف حركة السير بصورة كاملة في الشرايين الرئيسية". وتشير إلى أن هذه المشاريع ضرورية لمستقبل المواصلات، قائلة: "من دون هذه الأعمال، لا يوجد مستقبل حتى للمركبات الخاصة".
لكنها تقر في الوقت ذاته بأن الوضع سيزداد صعوبة، محذرة من أن "الجزء الأكبر من الضغط والازدحامات سيُشعر به بعد نحو 3 سنوات".

توسيع الشوارع لن يحل المشكلة وحده

ويبقى السؤال الأساسي متعلقًا بمدى قدرة هذه المشاريع على إنهاء أزمة الازدحامات بعد الانتهاء منها. الدكتورة عيليت أوبنهايم، مديرة معهد شلومو شملتسر للمواصلات الذكية في جامعة تل أبيب، تقول إن توسيع الشوارع وحده لن يحل مشكلة الازدحام.
وتوضح أن غالبية المشاريع الجارية تهدف إلى تطوير وسائل النقل الجماعي، مثل القطارات والمسارات السريعة والقطار الخفيف، وصولًا إلى المترو، معتبرة أن هذا هو الاتجاه الصحيح. وتضيف: "لا يمكن حل أزمة الازدحامات من دون نقل أعداد أكبر من الناس إلى المواصلات العامة".
لكنها تنتقد طريقة تقييم المشاريع، موضحة أن الجهات المسؤولة تركز غالبًا على الميزانية والجدول الزمني، من دون قياس كافٍ للثمن الذي يدفعه الجمهور خلال فترة التنفيذ.
وتقول: "لا يجري احتساب الوقت الضائع في الازدحامات، ولا الضرر الذي يلحق بجودة الحياة وتجربة السفر اليومية". وتدعو أوبنهايم إلى تبني سياسات لإدارة الطلب على المواصلات، تشمل توسيع العمل من المنزل، واعتماد ساعات عمل مرنة، وتشجيع السفر المشترك، وتغيير عادات التنقل في المناطق التي يُتوقع أن تشهد ازدحامات شديدة.
وتخلص إلى القول: "عندما تبدأ أعمال المترو الفعلية، سندرك أن كل ما مررنا به حتى الآن لم يكن سوى مقدمة".

وزارة المواصلات: ثورة بنية تحتية غير مسبوقة

من جهتها، قالت وزارة المواصلات إنها تقود خلال السنوات الأخيرة "ثورة بنية تحتية غير مسبوقة"، تشمل تنفيذ عشرات المشاريع القومية بالتزامن في مختلف أنحاء البلاد.
وأوضحت الوزارة أن هذه المشاريع تهدف إلى التعامل مع الزيادة الكبيرة في عدد السكان، والحد من الازدحامات، وتحسين مستوى الأمان على الطرق.
وأضافت أن جزءًا من الأعمال يُنفذ خلال ساعات الليل بسبب انخفاض حجم حركة السير نسبيًا، بما يقلل تأثيرها على الجمهور.
وفيما يتعلق بتنفيذ الأعمال يوم السبت، قالت الوزارة إن المشاريع تُنفذ وفق أحكام القانون والتصاريح المطلوبة، وبناء على اعتبارات مهنية وأمنية وتشغيلية تحددها وزارة العمل.
وأكدت أنه عندما تكون هناك حاجة لتنفيذ أعمال يوم السبت لأسباب تتعلق بالسلامة أو بالضرورة التشغيلية، فإنها تُنفذ بعد الحصول على جميع التصاريح اللازمة.