تنطلق اليوم في مقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) جولة محادثات أمنية مباشرة بين وفدين عسكريين من إسرائيل ولبنان، برعاية وإشراف أمريكيين، في خطوة تُعد من أبرز محاولات واشنطن لإعادة ضبط الوضع الأمني على الحدود الجنوبية للبنان بعد أشهر من التصعيد المستمر.
ومن المتوقع أن يضم الاجتماع ثلاثة ممثلين عن الجيش اللبناني، وثلاثة ضباط إسرائيليين برتبة عميد، إلى جانب ثلاثة مسؤولين كبار من الجيش الأمريكي، في إطار مسعى أمريكي لصياغة آلية جديدة أكثر فاعلية لمراقبة وقف إطلاق النار وتعزيز الاستقرار على الحدود.
بري يهاجم المفاوضات المباشرة
وقبيل انطلاق المحادثات، وجّه رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري انتقادات حادة لفكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل، معتبرًا أن لبنان يدخل هذه المفاوضات من موقع ضعف ودون امتلاك أدوات ضغط حقيقية.
وقال بري إنه لا يؤيد المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، مضيفًا أن أي طرف يجلس إلى طاولة المفاوضات يجب أن يمتلك أوراق قوة تتيح له تحقيق مكاسب أو الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن مع الطرف الآخر.
وأضاف: "نذهب إلى المفاوضات من دون أي أوراق تفاوضية، ولا أرى ما يمكن للبنان أن يساوم عليه في هذه المرحلة".
أولوية لبنانية: وقف إطلاق النار
وأكد رئيس البرلمان اللبناني أن الأولوية القصوى بالنسبة للبنان تتمثل في التوصل إلى وقف إطلاق نار فعلي ووضع حد للتصعيد العسكري في الجنوب، في ظل استمرار الغارات والعمليات العسكرية وما تسببه من دمار ونزوح للسكان.
وأشار إلى أن اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة لم تصمد على أرض الواقع، معتبرًا أن الاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال السنوات الأخيرة لم تُنفذ بالشكل المطلوب.
وقال إن لبنان يعيش منذ أسابيع في ظل ما يُوصف بوقف إطلاق نار، إلا أن العمليات العسكرية ما زالت مستمرة، وفق تعبيره.
ماذا تريد إسرائيل من المحادثات؟
بحسب التقديرات المتداولة، تسعى إسرائيل إلى ربط أي تقليص لعملياتها العسكرية أو أي انسحاب إضافي من مناطق حدودية بخطوات عملية ينفذها الجيش اللبناني ضد البنية العسكرية لحزب الله في جنوب لبنان.
كما يُتوقع أن تعرض إسرائيل مقاربة تقوم على الجمع بين الضغط العسكري المستمر من جهة، وإمكانية تخفيف العمليات الميدانية من جهة أخرى، في حال اتخذت السلطات اللبنانية إجراءات ملموسة على الأرض.
وترى إسرائيل أن أي تفاهمات مستقبلية يجب أن تتضمن ضمانات واضحة تمنع إعادة تموضع حزب الله بالقرب من الحدود الشمالية.
واشنطن تبحث عن آلية جديدة
من جهتها، تنظر الولايات المتحدة إلى هذه المحادثات باعتبارها فرصة لإعادة بناء منظومة رقابة أكثر فاعلية على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، بعد الانتقادات التي طالت الآليات السابقة لوقف إطلاق النار.
وتسعى واشنطن إلى تعزيز دور الجيش اللبناني في الجنوب ومنحه دورًا أكبر في فرض سلطة الدولة ومراقبة النشاطات العسكرية في المنطقة الحدودية.
وتأتي هذه الجهود بالتزامن مع ضغوط أمريكية متزايدة على بيروت، شملت تحذيرات مرتبطة بالمساعدات العسكرية المقدمة للجيش اللبناني، وربط استمرارها بإحراز تقدم فعلي على الأرض.
حزب الله في قلب التحديات
وتبقى قضية حزب الله واحدة من أبرز الملفات المطروحة في خلفية المحادثات، إذ تعتبرها واشنطن وتل أبيب العقبة الرئيسية أمام أي ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
ويكمن التحدي الأكبر أمام الحكومة اللبنانية في مدى قدرتها على فرض سيادتها في المناطق التي يتمتع فيها الحزب بنفوذ واسع، وفي الوقت ذاته تجنب أي صدام داخلي قد يؤدي إلى تفجير الوضع السياسي والأمني في البلاد.
تباينات داخل المعسكر الشيعي
وفي سياق متصل، كشف بري عن وجود تباينات داخل المعسكر الشيعي بشأن بعض الملفات السياسية الداخلية، معربًا عن رفضه لتصريحات أطلقها الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم حول إمكانية إسقاط حكومة رئيس الوزراء نواف سلام عبر احتجاجات شعبية.
وأوضح أن قيادة حركة أمل وقيادة حزب الله عقدتا اجتماعات لاحقة لمعالجة هذه التصريحات وتبديد التوتر الذي أثارته.
آمال محدودة وشكوك متبادلة
ورغم أهمية اللقاء المرتقب، تشير تقديرات سياسية ودبلوماسية إلى أن سقف التوقعات لا يزال منخفضًا، في ظل أزمة الثقة العميقة بين الجانبين.
ففي الوقت الذي تشكك فيه إسرائيل بقدرة لبنان أو رغبته في اتخاذ خطوات حاسمة ضد حزب الله، تبدي أطراف لبنانية شكوكًا مماثلة بشأن استعداد إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية حتى في حال التوصل إلى تفاهمات جديدة.
ويرى مراقبون أن محادثات البنتاغون تتجاوز الجوانب العسكرية المباشرة، لتشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها الكاملة على أراضيها، ولإمكانية التوصل إلى ترتيبات أمنية جديدة قد تحدد مستقبل الاستقرار على الحدود الشمالية خلال المرحلة المقبلة.

