تحوّل مدير سابق لسجن ولاية فلوريدا، أشرف بنفسه على تنفيذ أحكام إعدام بحق عدد من السجناء، من مؤيد متحمس لعقوبة الإعدام إلى أحد أبرز معارضيها، بعدما ظلّت تفاصيل عمليات القتل التي شارك فيها تطارده لعقود، إلى حدّ رؤيته المحكومين في أحلامه جالسين عند طرف سريره.
وقال رون ماكاندرو، البالغ من العمر 88 عامًا، إنه كان يؤمن في السابق بعقوبة الإعدام، قبل أن يتولى إدارة سجن ولاية فلوريدا، حيث تُنفذ أحكام الإعدام، ويشارك في قتل ثلاثة سجناء بالكرسي الكهربائي، ثم ينتقل إلى تكساس للمساعدة في تنفيذ عدة إعدامات بالحقن القاتل. واليوم يقول: "لا أستطيع أن أصدق أنني كنت أؤمن بعقوبة الإعدام".
"كانوا يجلسون عند طرف السرير"
أوضح ماكاندرو إنه كان يستيقظ ليلًا وهو يرى في مخيلته رجالًا شارك في إعدامهم يجلسون عند طرف سريره وينظرون إليه بصمت، وكأنهم يسألونه: "كيف استطعت أن تفعل ذلك؟".
وبعد نحو ثلاثة عقود، ما زال يتذكر التفاصيل الدقيقة لكل عملية إعدام: الكلمات الأخيرة للمحكوم، الوجبة الأخيرة، واللحظة التي كان يعطي فيها الإشارة الصامتة إلى الجلاد لبدء التنفيذ.
وكان ماكاندرو قد تولى إدارة سجن ولاية فلوريدا عام 1996، بعدما صعد تدريجيًا في جهاز السجون. ويقول إنه كان طموحًا ويسعى إلى التقدم في عمله، ولم يكن يرى آنذاك مشكلة أخلاقية في المشاركة بتنفيذ أحكام الإعدام.
الدقائق الأخيرة قبل الموت
ويصف ماكاندرو طقوس الساعات الأخيرة للمحكومين، موضحًا أنه كان يدخل إلى زنزانة السجين قبل التنفيذ ويتحدث معه على انفراد، ويسأله إن كان يريد قول شيء قبل موته.
ويتذكر حالات من البكاء والقلق والحركة العصبية لدى السجناء، قبل نقلهم إلى غرفة الإعدام وتثبيتهم على الكرسي الكهربائي.
وبحسب شهادته، كان السجين يُثبّت بقوة على الكرسي، ثم يُوضع قناع جلدي محكم على وجهه، قبل أن يعطي ماكاندرو إشارة خفية للجلاد الموجود خلف حاجز لبدء الصعق الكهربائي.
شكوك حول براءة أحد السجناء
وبدأ موقف ماكاندرو يتغير عندما راودته شكوك بشأن إدانة السجين ليو جونز، الذي أُدين بقتل شرطي في جاكسونفيل، فيما ظل يؤكد أنه بريء وأن اعترافه انتُزع بالإكراه.
ويقول ماكاندرو إنه راجع ملف القضية واعتبر التحقيق "سيئًا للغاية"، لكنه تلقى تعليمات من مسؤوليه بعدم التدخل، قبل أن يُعدم جونز عام 1998.
وفي تلك المرحلة، تدهورت حالته النفسية بصورة حادة، وبات يعاني الأرق ويشرب الكحول بكثرة في محاولة لنسيان ما شاهده وشارك فيه، وقال إنه فكر في الانتحار.
إعدام تحول إلى مشهد مروّع
أما اللحظة التي تركت الأثر الأعمق فيه، فكانت في آذار/ مارس 1997، خلال إعدام السجين بيدرو ميدينا بالكرسي الكهربائي. وبحسب روايته، دوّى صوت مفاجئ بعد تشغيل الجهاز، ثم اندلعت النيران في رأس ميدينا وامتلأت غرفة الإعدام بالدخان الأسود.
وسأل فني الكهرباء ماكاندرو إن كان يريد مواصلة العملية، فأجاب: "نعم، استمر". ويقول اليوم إن تلك الكلمة هي أكثر ما يندم عليه في حياته. وأضاف أن رائحة احتراق الجسد بقيت عالقة بملابسه، واضطر إلى فتح نوافذ الغرفة، لتصل الرائحة إلى جناح المحكومين بالإعدام.
ورغم أن تشريح الجثة خلص لاحقًا إلى أن ميدينا مات من دون ألم، رفض ماكاندرو هذه النتيجة، وقال إنه شاهد أجزاء من رأسه تحترق وتسقط.
من إدارة الإعدام إلى محاربته
وبعد تقاعده، بدأ ماكاندرو العمل ضد عقوبة الإعدام، وسافر في أنحاء الولايات المتحدة لإلقاء محاضرات، كما ساعد محامين وسجناء في طعون قضائية هدفت إلى تخفيف أحكام الإعدام أو إلغائها.
ويقول إنه تمكن من المساعدة في إخراج عدد من السجناء من قوائم المحكومين بالموت، ويواصل حتى اليوم تلقي رسائل من سجناء يطلبون مساعدته في قضاياهم.
ويصف تجربته السابقة بأنها "عمل قذر"، ويقول إنه يتمنى لو أنه لم يدخل يومًا إلى سجن ولاية فلوريدا.
فلوريدا تزيد عمليات الإعدام
يأتي موقف ماكاندرو بينما رفعت فلوريدا بصورة كبيرة عدد أحكام الإعدام المنفذة خلال العامين الأخيرين. ووفق تقارير إعلامية، أعدمت الولاية 19 سجينًا خلال عام 2025، بعدما بلغ مجموع من أعدمتهم بين عامي 2020 و2024 سبعة سجناء فقط.
وفي المقابل، تشير استطلاعات "غالوب" إلى تراجع التأييد لعقوبة الإعدام في الولايات المتحدة إلى 52%، مقارنة بـ60% قبل عقد و71% خلال الفترة التي كان فيها ماكأندرو مديرًا للسجن.
وكتب ماكاندرو عدة مرات إلى حاكم فلوريدا رون ديسانتيس مطالبًا إياه بالتوقف عن توقيع أوامر الإعدام، لكنه يقول إنه لم يتلق ردًا. ورغم تقدمه في السن، أكد أنه سيواصل الحديث عن تجربته ومحاربة العقوبة التي كان يومًا من أشد مؤيديها، قائلًا: "لم أنتهِ بعد".


