أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موجة جدل واسعة، بعد تصريحات استشهد فيها بمقولة منسوبة للمؤرّخ ويل ديورانت، مفادها أنّ "المسيح لا أفضلية له على جنكيز خان"، وذلك في سياق حديثه عن طبيعة الصراع في العالم، حيث اعتبر أنّ "الشرّ قد يغلب الخير".
وجاءت تصريحات نتنياهو خلال مؤتمر صحافي قال فيه: "في هذا العالم، لا يكفي أن تكون أخلاقيًا، ولا أن تكون عادلًا، ولا حتى أن تكون على حق"، في طرحٍ اعتبره منتقدون تبنّيًا صريحًا لمنطق "القوة فوق الأخلاق"، وتبريرًا لاستخدام العنف كأداة سياسية. واستند في كلامه إلى ما قال إنه اقتباس من كتاب "دروس التاريخ"، مشيرًا إلى فكرة مفادها انّ القوة والقسوة قد تكونان عاملًا حاسمًا في الصراعات.
فمن هو جنكيز خان؟
هو قائد عسكري ومؤسّس الإمبراطورية المغولية وأوّل حكّامها، ويُعدّ من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بالقوّة المطلقة والتوسّع العسكري في التاريخ. وُلد باسم تيموجين في القرن الثاني عشر في بيئة قبلية قاسية في منغوليا، وعاش طفولة مضطربة اتّسمت بالفقر والتشرذم بعد وفاة والده وتفكّك قبيلته، ما اضطره منذ سن مبكرة إلى خوض صراعات قاسية من أجل البقاء.
غير أنّ تلك البداية الصعبة تحوّلت لاحقًا إلى مسار صعود استثنائي، إذ تمكّن من توحيد القبائل المغولية المتناحرة، ليُعلَن عام 1206 "خانًا" على جميع المغول، ويؤسّس بذلك واحدة من أوسع الإمبراطوريات في التاريخ، امتدّت لاحقًا على مساحات شاسعة من آسيا وأوروبا.
وقد ارتبط اسمه بحملات عسكرية عنيفة خلّفت دمارًا واسعًا في مناطق عدّة، ولا سيّما في آسيا الوسطى وبلاد فارس، بعدما تمكّن من إعادة تنظيم جيشه وبناء آلة عسكرية شديدة الانضباط، أتاحت له تحقيق تفوّق واسع وسريع. غير انّ نفوذه لم يكن قائمًا على القوّة العسكرية وحدها، بل استند أيضًا إلى نظام صارم يقوم على الولاء والكفاءة، إلى جانب سنّ قوانين هدفت إلى تنظيم شؤون الدولة والمجتمع.
هذا الإرث المتناقض جعله في الذاكرة التاريخية رمزًا مزدوجًا: محاربًا دمويًا ارتبط اسمه بالغزو والخراب من جهة، وقائدًا موحّدًا وباني دولة من جهة أخرى، لا سيّما مع ما يُنسب إليه من سياسات مثل التسامح الديني، وتشجيع التجارة، والاستفادة من خبرات الشعوب المختلفة داخل إمبراطوريته، بما يعكس تعقيد شخصيته وتعدّد وجوه إرثه التاريخي.
ردود دينية وسياسية غاضبة
فجّرت تصريحات نتنياهو موجة انتقادات واسعة، لا سيّما في الأوساط الدينية، لِما اعتُبِر إساءة مباشرة إلى شخصية السيد المسيح، ومحاولة لتبرير منطق يقوم على أنّ "القوة هي الحق". ورفض رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس في القدس، عطا الله حنا، هذه التصريحات، واصفًا إياها بأنها "مسيئة واستفزازية" وتمسّ القيم الدينية والإنسانية.
كما رأى الأب منذر إسحق انّ هذه المقارنة تمثّل "محاولة لوسم الرسالة المسيحية بالسذاجة"، وتكريسًا لفكرة أنّ العنف هو الطريق إلى الانتصار.
وعلى الصعيد السياسي، ردّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، معتبرًا أنّ هذه التصريحات تمثّل "إهانة للمسيح"، وتعكس خطابًا يبرّر العنف ويكرّس فلسفة القوة.
توضيحات ونفي للإساءة
ومع تصاعد الجدل، نشر نتنياهو توضيحًا عبر منصّة "إكس" قال فيه إنّ المقصود من كلامه هو الإشارة إلى أن الأخلاق وحدها لا تكفي لضمان البقاء في عالم تحكمه الصراعات، نافيًا أن يكون قد قصد الإساءة إلى المسيح، وانّ ما نُسب إليه "أُسيء فهمه أو جرى تضخيمه".
وتأتي هذه التصريحات في سياق سياسي وعسكري شديد التوتّر، مع تصاعد المواجهات في أكثر من جبهة إقليمية، إلى جانب اتهامات دولية متزايدة لإسرائيل بارتكاب انتهاكات جسيمة. فهل يأتي استدعاء شخصية مثل جنكيز خان كمجرّد إحالة تاريخية عابرة، أم انعكاس لرؤية تقوم على القوة في حلّ الصراعات، حتى عندما تتعارض مع القيم الأخلاقية؟

