تصاعدت حدة التوترات السياسية في فرنسا، اليوم الأربعاء، على خلفية أعمال الشغب والاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال الأيام الأخيرة، بعدما وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انتقادات حادة إلى نظيره الأمريكي دونالد ترامب، رافضًا اتهاماته للمهاجرين والمسلمين بالمسؤولية عن الاضطرابات.
وفي موازاة ذلك، أثار زعيم حزب "فرنسا الأبية" اليساري، جان لوك ميلنشون، جدلًا سياسيًا باتهامه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالتأثير على الانتخابات الفرنسية، في وقت تحذّر فيه السلطات من حملات تضليل وتدخلات خارجية تستهدف المشهد السياسي قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ماكرون يرد على ترامب: الحديث عن غزو إسلامي لفرنسا أكاذيب
وخلال جولته في دول الخليج، رفض ماكرون تصريحات ترامب التي ربط فيها أعمال الشغب في فرنسا بالهجرة والإسلام، معتبرًا أنها تستند إلى روايات مضللة ومعلومات غير صحيحة.
وكان ترامب قد كتب عبر منصته "تروث سوشيال" أن الاحتجاجات التي بدأت على خلفية الأوضاع في المدارس الفرنسية ليست مرتبطة بالتعليم، وإنما بما وصفه بمحاولة الإسلام السيطرة على فرنسا.
وعقب أعمال الشغب التي شهدتها البلاد يوم السبت، وأسفرت، وفق التقارير، عن اعتقال أكثر من ألفي شخص وتضرر أو نهب نحو ثلاثة آلاف متجر، عاد ترامب ليحمّل الهجرة مسؤولية الاضطرابات، داعيًا السلطات الفرنسية إلى إغلاق الحدود واستعادة السيطرة.
وردّ ماكرون بأن ما جرى استغلاله من قبل جهات خارجية لترويج روايات سياسية لا تعكس حقيقة الأحداث.
وقال إن الادعاءات التي تتحدث عن اجتياح فرنسا من قبل أعداد هائلة من المهاجرين والإسلاميين "كاذبة تمامًا".
صور مفبركة بالذكاء الاصطناعي وحملات تضليل
واتهم ماكرون جهات خارجية باستغلال التوترات الاجتماعية في بلاده من خلال نشر صور ومعلومات مضللة، بينها مشاهد أُنتجت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي ولم تحدث على أرض الواقع.
وأوضح أن بعض القادة السياسيين، بمن فيهم مسؤولون يخوضون حملات انتخابية خارج فرنسا، أعادوا نشر هذه المواد أو تبنّوا روايات تستهدف التأثير على الرأي العام.
وعندما سُئل عما إذا كان يقصد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أجاب: "من بين آخرين".
وأضاف أن استخدام الأوضاع الداخلية الفرنسية في الحملات السياسية الخارجية أمر مرفوض، مؤكدًا أن بلاده ليست بحاجة إلى تدخلات من هذا النوع.
وكانت صور مفبركة قد انتشرت خلال الاضطرابات، من بينها صورة زُعم أنها توثّق تعرض زوجين مسنين للسرقة والإهانة، قبل أن يتبين أنها أُنتجت بالذكاء الاصطناعي.
ميلنشون: نتنياهو يشكّل خطرًا على الانتخابات الفرنسية
وفي تطور سياسي موازٍ، اتهم زعيم حزب "فرنسا الأبية"، جان لوك ميلنشون، رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالتأثير على الانتخابات الفرنسية، معتبرًا أن المخاطر التي تهدد نزاهة العملية الانتخابية لا تأتي من أحزاب اليسار، وإنما من تدخلات خارجية.
وقال ميلنشون، في تصريحات تناولت الاستعدادات للانتخابات الرئاسية المقبلة، إن المخاطر الانتخابية "لا تأتي من منظمات اليسار المتطرف، بل من السيد نتنياهو الذي يؤثر على التصويت في مرسيليا وتولوز وروبيه وباريس".
وجاءت تصريحاته في سياق الجدل بشأن التدخلات الأجنبية المحتملة في الانتخابات الفرنسية، خصوصًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي وحملات التأثير الرقمي.
ولم تتضمن التصريحات المعروضة أدلة مباشرة تثبت تورط نتنياهو شخصيًا في توجيه عمليات التأثير المزعومة.
اتهامات لشركة إسرائيلية بإدارة حسابات وهمية
وكان وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو قد حذّر الأسبوع الماضي من محاولات جهات أجنبية التدخل في الانتخابات الرئاسية المرتقبة، مشيرًا إلى الملياردير الأمريكي إيلون ماسك وإلى شركة إسرائيلية ضمن الجهات التي أثارت قلق السلطات الفرنسية.
وأوضح بارو أن بعض الجهات الخارجية تستغل الانقسامات الداخلية في فرنسا، وتستخدم قضايا الهجرة والعلمانية والصراع الإسرائيلي الفلسطيني لإثارة التوترات والكراهية.
وأشار إلى شركة إسرائيلية اتهمها بإنشاء حسابات فرنسية وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف افتعال مواجهات سياسية مرتبطة بالقضية الفلسطينية.
وبحسب تقارير إعلامية فرنسية، تتعلق الاتهامات بشركة "بلاك كور" (BlackCore)، التي سبق أن اتهمتها السلطات الفرنسية بإدارة حملة تشويه ضد مرشحين من حزب "فرنسا الأبية" خلال الانتخابات البلدية التي جرت في آذار الماضي.
وكانت باريس قد طلبت مساعدة إسرائيل في التحقيق بهذه القضية، دون أن تعلن السلطات الفرنسية مسؤولية الحكومة الإسرائيلية مباشرة عن التدخلات المزعومة.
فرنسا تستعد لموجة احتجاجات جديدة
وتأتي هذه التطورات في ظل حالة من التوتر الداخلي، مع استعداد السلطات الفرنسية ليوم جديد من الاحتجاجات الواسعة يوم السبت المقبل، وسط مخاوف من تجدد أعمال العنف والشغب.
ويواجه ماكرون انتقادات داخلية بسبب مواصلة جولته الخليجية في وقت تشهد فيه بلاده اضطرابات اجتماعية وأمنية.
لكن الرئيس الفرنسي دافع عن جولته، مؤكدًا أنها تهدف إلى تأمين إمدادات إضافية من الوقود والغاز، بما يساعد على خفض الأسعار التي أصبحت أحد أبرز أسباب الغضب الشعبي.
ماكرون يلتقي محمد بن سلمان ويبحث تأمين الوقود
وفي إطار جولته الخليجية، وصل ماكرون إلى السعودية في زيارة لم يُعلن عنها مسبقًا، حيث التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بعد زيارات شملت الكويت والإمارات والبحرين وقطر.
وبحسب التقارير، حصلت فرنسا على تعهد سعودي بتمديد إمدادات إضافية من الديزل تبلغ 95 ألف طن شهريًا، وفق الحاجة، بعد الاتفاق على توفيرها خلال تشرين الأول وتشرين الثاني.
كما أعلن ماكرون التوصل إلى تفاهمات لتوفير 200 ألف طن إضافية شهريًا من الديزل من الإمارات والبحرين.
وتعادل هذه الكميات مجتمعة أكثر من 10% من الاستهلاك الشهري الفرنسي، وفق الأرقام الواردة في التقارير.
وتتزامن هذه التحركات مع تصاعد السجال السياسي بشأن الهجرة والإسلام والتدخلات الخارجية، في وقت تدخل فيه فرنسا مرحلة حساسة تسبق الانتخابات الرئاسية المقبلة، وسط تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية متزايدة.


