تكثف الولايات المتحدة تحركاتها الاقتصادية والدبلوماسية الرامية إلى عزل إيران عن الأسواق وشبكات النقل والأنظمة المالية الدولية، ضمن حملة ضغط واسعة شملت في الأسابيع الأخيرة قطاعي الطيران والمصارف، إلى جانب العقوبات القائمة والضغوط المرتبطة بحركة الملاحة والتجارة عبر مضيق هرمز.
وبحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، أجرى مسؤول رفيع في وزارة الخزانة الأمريكية جولة خلال الشهر الجاري شملت دولًا في الشرق الأوسط وأوروبا، حمل خلالها رسالة إلى شركاء إيران التجاريين مفادها أن استمرار التعامل مع طهران قد يعرّض علاقاتهم الاقتصادية مع واشنطن للخطر.
وتأتي هذه التحركات ضمن سياسة أعلنت عنها وزارة الخزانة الأمريكية هذا الشهر، واستهدفت عشرات الجهات المرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، فيما يقول مسؤولون أمريكيون إن الضغوط بدأت بالفعل تؤدي إلى تقليص قدرة شركات ومؤسسات إيرانية على العمل خارج البلاد.
الطيران في قلب حملة الضغط
قطاع الطيران الإيراني كان من أبرز القطاعات التي طالتها الإجراءات الأخيرة، إذ فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في الثامن من أيلول/سبتمبر عقوبات على عشرات الجهات ضمن عملية أطلقت عليها اسم "الإقصاء الاقتصادي"، شملت شركات طيران ووسطاء وشركات أجنبية تقول واشنطن إنها ساعدت قطاع الطيران الإيراني.
وتتهم وزارة الخزانة السلطات الإيرانية باستخدام قطاع الطيران لنقل أسلحة وأفراد وشحنات محظورة، وهي اتهامات ترفض طهران عمومًا الأساس الذي تستند إليه حملة العقوبات الأمريكية.
وفي الأيام الأخيرة، اتسع تأثير الإجراءات خارج الولايات المتحدة؛ إذ أوقفت الإمارات رحلات شركات الطيران الإيرانية من وإلى أراضيها، بينما قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن تركيا وسلطنة عُمان أوقفتا استقبال رحلات شركة "ماهان إير".
وتستهدف واشنطن أيضًا الشركات التي توفر الخدمات لشركات الطيران الإيرانية، بما في ذلك خدمات التزود بالوقود والمناولة الأرضية، عبر التهديد بعقوبات ثانوية على الجهات التي تواصل التعامل معها.
ضغوط على البنوك الإيرانية
ولا تقتصر الحملة على الطيران، إذ امتدت إلى القنوات المالية التي تعتمد عليها طهران في تعاملاتها الخارجية.
وأعلن المصرف المركزي الإماراتي حظر المعاملات المالية من وإلى إيران عبر فروع بنك "ملي" الإيراني العاملة في الإمارات، فيما أفادت تقارير بأن تركيا ألغت ترخيص بنك "ملت" الإيراني.
وتسعى واشنطن من خلال هذه الإجراءات، وفق تصريحات مسؤوليها، إلى تقليص القنوات التي تستطيع إيران استخدامها لتحويل الأموال وإجراء المعاملات التجارية الدولية.
واشنطن تضغط على شركاء إيران: التجارة مع طهران لها ثمن
وبحسب "وول ستريت جورنال"، تحرك مسؤولون في وزارة الخزانة الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة بين عواصم أوروبية وشرق أوسطية لإقناع الحكومات والمؤسسات المالية وشركات الطيران بتقليص تعاملاتها مع إيران.
وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن فرقًا أمريكية أُرسلت إلى دول مختلفة للمطالبة باتخاذ خطوات ضد السلطات الإيرانية، معتبرًا أن هذه التحركات بدأت تحقق نتائج.
وبحسب تقارير أمريكية، أجرت وزارة الخزانة اتصالات ومباحثات مع أكثر من 50 دولة ضمن هذه الحملة.
دول الخليج عامل إضافي في حملة واشنطن
ويرى التقرير الأمريكي أن العلاقات المتوترة وانعدام الثقة المتزايد بين طهران وعدد من الدول العربية في الخليج يساعدان واشنطن في توسيع نطاق الضغط على إيران.
ويظهر ذلك خصوصًا في الإجراءات المتعلقة بالطيران والتحويلات المصرفية، إذ كانت دول خليجية تشكل تاريخيًا بوابات مهمة أمام التجارة الإيرانية والربط الجوي والمالي مع الخارج.
وفي المقابل، لم تنجح واشنطن في إغلاق جميع المنافذ أمام إيران، إذ لا تزال بعض شركات الطيران الإيرانية تشغل رحلات دولية، خصوصًا باتجاه الصين، التي لم تستجب لحملة الضغط الأمريكية.
"ضغط غير مسبوق منذ حملات 2010"
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن المحامي البريطاني نايجل كوشنر، الذي عمل على مدى نحو عقدين مستشارًا لشركات في قضايا العقوبات الإيرانية، قوله إنه لم يشهد سابقًا مستوى مماثلًا من الضغط المكثف على قطاعي المصارف والطيران الإيرانيين.
وبحسب تقييمه، تمكنت الولايات المتحدة خلال أسابيع قليلة من تحقيق تأثير يفوق ما حققته حملات ضغط طويلة بدأت منذ عام 2010.
كما أشار جوناثان بورك، المسؤول في وزارة الخزانة الأمريكية والمصرفي السابق في "سيتي"، إلى ما وصفه بتغير في تعامل شركاء واشنطن مع الإجراءات الحالية، قائلًا إنهم يتعاملون معها هذه المرة "بجدية كبيرة".
إيران تحت ضغط اقتصادي متزايد
وتأتي الإجراءات الجديدة بينما تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية واسعة، بالتزامن مع القيود على تجارتها الخارجية وتعطل أجزاء من حركة نقل النفط والتجارة عبر الممرات البحرية.
ورغم ذلك، لا تزال طهران تحافظ على بعض الروابط المصرفية والجوية والتجارية مع دول خارج دائرة العقوبات الأمريكية، ولا سيما الصين وروسيا، ما يجعل الحديث عن عزل كامل لإيران سابقًا لأوانه.
إلا أن الإجراءات الأخيرة تشير إلى انتقال واشنطن من التركيز على فرض العقوبات المباشرة على المؤسسات الإيرانية إلى ممارسة ضغوط على الدول والشركات الأجنبية التي توفر لطهران منافذ مالية وتجارية وجوية.
طهران تتمسك بالمفاوضات وترفض الضغوط الأمريكية
وتتزامن حملة الضغط الاقتصادي مع استمرار الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران بشأن مضيق هرمز والملف النووي.
وكانت إيران قد طرحت مقترحًا يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز والعودة إلى المفاوضات مقابل خطوات أمريكية تشمل تخفيف الضغوط الاقتصادية، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض المقترح بصيغته المطروحة، بحسب تقارير أمريكية.
وفي المقابل، تؤكد طهران أنها لن تتراجع عن شروطها، وتقول إن الطريق إلى تسوية يمر عبر المفاوضات، بينما تواصل واشنطن استخدام العقوبات والقيود المالية والتجارية باعتبارها إحدى أدوات الضغط الرئيسية على القيادة الإيرانية.
وهكذا باتت المواجهة الأمريكية-الإيرانية تمتد من مضيق هرمز والملف النووي إلى المطارات والبنوك وشبكات التجارة الدولية، في محاولة أمريكية لتقليص الخيارات المتاحة أمام طهران ودفعها نحو اتفاق بشروط جديدة.


