سوريا ضمن اشتباك جديد: تصعيد غير مسبوق بين الجيش وقسد

من تفاهمات هشة إلى مواجهة مفتوح: لماذا انفجر الصراع الآن، وما دور تركيا وواشنطن في رسم مساره؟ 

|
2 عرض المعرض
بعد معارك عنيفة: سوريا تستعيد السيطرة الكاملة على مدينة حلب وتُعيد الانتشار الأمني
بعد معارك عنيفة: سوريا تستعيد السيطرة الكاملة على مدينة حلب وتُعيد الانتشار الأمني
بعد معارك عنيفة: سوريا تستعيد السيطرة الكاملة على مدينة حلب وتُعيد الانتشار الأمني
(تصوير: الاخبارية السورية)
تشهد مناطق شمال وشرق سوريا في الأيام الأخيرة أخطر تصعيد منذ سنوات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بعد أن تحولت احتكاكات متقطعة إلى اشتباكات مباشرة في نقاط تماس حساسة قرب منبج ودير الزور فيما كانت الجبهة الأساسية في الاشرفية والشيخ مقصود وريف حلب الشرقي.
ووفق ما تنقله بي بي سي، فإن ما يجري يعكس "انهيار تفاهمات أمنية غير مكتوبة كانت تضبط العلاقة بين الطرفين"، في وقت لم تعد فيه خطوط الفصل واضحة، ولا قواعد الاشتباك ثابتة كما كانت في السابق. إضافة لما كان من اتفاقيات فعلية لكنها لم تنفذ بين الجانبين، كاتفاق العاشر من آذار الذي كان يفترض أن تندمج قوات قسد وفقه في الجيش السوري حتى نهاية العام الفائت، واتفاق نيسان حول حيي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب.
مصادر عسكرية سورية نقلت لوسائل إعلام دولية أن تحركات الجيش الأخيرة "تهدف إلى تثبيت سيادة الدولة ومنع أي أمر واقع مسلح خارج مؤسساتها"، في حين تقول قسد إن قواتها "تدافع عن مناطقها وسكانها في وجه ضغوط عسكرية متزايدة".
ونقلت وكالة رويترز عن مصدر أمني سوري قوله إن "الجيش لن يقبل باستمرار كيان عسكري مستقل"، معتبرًا أن ما يجري "خطوة مدروسة لإعادة ضبط المشهد الميداني". وفي المقابل، نقلت الوكالة عن مسؤول في قسد قوله إن "أي محاولة لفرض حلول بالقوة ستقود إلى مزيد من عدم الاستقرار".
مسيرة استهدفت مبنى محافظة #حلب الذي عقد فيه مؤتمر وزيري الإعلام والشؤون الاجتماعية ومحافظ حلب
أصل الصراع: تعايش اضطراري لا أكثر
لفهم ما يحدث اليوم، لا بد من العودة إلى طبيعة العلاقة بين دمشق وقسد. فبعد تمدد قسد بدعم أمريكي خلال الحرب على تنظيم الدولة، نشأ نوع من التعايش القسري: النظام احتفظ بمربعات أمنية ورمزية داخل مدن رئيسية، بينما تولت قسد الإدارة الفعلية للأرض.
بي بي سي تصف هذا الوضع بأنه "ترتيب فرضته موازين القوى، لا اتفاق سياسي قابل للحياة"، ومع غياب أي حل شامل لسوريا، بقي الصدام مؤجلًا، ينتظر اللحظة المناسبة للانفجار.
التصعيد الحالي لا يمكن عزله عن جملة عوامل متداخلة.
أولها، شعور دمشق بأن البيئة الإقليمية والدولية باتت أقل حساسية تجاه أي تحرك عسكري محدود، في ظل انشغال العالم بملفات أكبر.
ثانيها، قلق قسد من تغير محتمل في المزاج الأمريكي، ما يدفعها لتشديد قبضتها الميدانية ورفض أي تنازل مجاني.
أما العامل الثالث، فهو الضغط التركي المتصاعد، الذي أعاد فتح ملف شمال سوريا بقوة.
وبحسب تحليل لرويترز، فإن "كل طرف يسعى لتحسين موقعه التفاوضي ميدانيًا، دون الذهاب إلى حرب شاملة قد تكون كلفتها باهظة".
2 عرض المعرض
بعد معارك عنيفة: سوريا تستعيد السيطرة الكاملة على مدينة حلب وتُعيد الانتشار الأمني
بعد معارك عنيفة: سوريا تستعيد السيطرة الكاملة على مدينة حلب وتُعيد الانتشار الأمني
بعد معارك عنيفة: سوريا تستعيد السيطرة الكاملة على مدينة حلب وتُعيد الانتشار الأمني
(تصوير: الاخبارية السورية)
موقف دمشق: سيادة الدولة أولًا
الخطاب الرسمي السوري، كما تنقله بي بي سي، يركز على أن المعركة ليست مع مكون كردي، بل مع "تشكيل مسلح خارج سلطة الدولة". مصادر قريبة من الحكومة السورية تقول إن دمشق ترى اللحظة الحالية فرصة لإعادة طرح ملف شرق الفرات من موقع أقوى، سياسيًا وعسكريًا، ضمن مسار استعادة السيطرة الكاملة على الجغرافيا السورية.
أما تركيا، فتنظر إلى التصعيد من زاوية أمنها القومي. أنقرة تعتبر قسد امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، وترى في أي إضعاف لها مكسبًا مباشرًا.
بي بي سي تنقل عن مسؤولين أتراك أن "إنهاء الوجود المسلح لقسد أولوية دائمة"، سواء تم ذلك عبر عمليات تركية مباشرة أو من خلال ضغط غير مباشر تمارسه دمشق وحلفاؤها.
في المقابل، تحاول الولايات المتحدة ضبط إيقاع التصعيد دون الانخراط فيه. واشنطن دعت، بحسب رويترز، إلى "خفض فوري للتوتر"، مؤكدة أن أولويتها منع الفوضى وعودة التنظيمات المتطرفة.
لكنها لم تقدم في الوقت نفسه ضمانات سياسية واضحة لقسد، ما يزيد شعور الأخيرة بالقلق. ووفق توصيف بي بي سي، فإن السياسة الأمريكية الحالية "تدير الصراع وتؤجله، لكنها لا تقدم حلًا جذريًا له".
خلاصة المشهد
ما يحدث اليوم بين الجيش السوري وقسد ليس حدثًا طارئًا، بل انفجارًا متأخرًا لصراع مؤجل. الجميع يضغط، والجميع يحاول تحسين موقعه، لكن دون استعداد لتحمل كلفة حرب مفتوحة.
حتى الآن، تبدو المواجهة محكومة بسقف منخفض، إلا أن التجربة السورية تقول إن مثل هذه التوازنات الهشة قد تنهار سريعًا، إذا ما تغيرت الحسابات أو أخطأ أحد الأطراف في تقدير الخطوة التالية.