كشفت تقارير إعلامية أميركية أن وقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عملية “مشروع الحرية” في مضيق هرمز، بعد أيام قليلة من إطلاقها مطلع أيار/ مايو 2026، لم يكن مرتبطًا فقط بما وصفه حينها بـ“تقدم كبير” نحو اتفاق مع إيران، بل جاء على خلفية أزمة غير مسبوقة مع السعودية، بعدما رفضت الرياض السماح للقوات الأميركية باستخدام أجوائها وقواعدها لتنفيذ المهمة.
وكان ترامب قد أعلن “مشروع الحرية” بهدف تأمين السفن التجارية العالقة في مضيق هرمز، إثر الحصار البحري الذي فرضته إيران مع بداية الحرب. غير أن العملية توقفت بعد نحو 48 ساعة فقط، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول الأسباب الحقيقية للتراجع الأميركي السريع، قبل أن تكشف التقارير أن الرياض عارضت العملية خشية أن تؤدي إلى تجدد الحرب وتصعيد عسكري واسع في الخليج.
رفض سعودي فاجأ واشنطن
وبحسب التقارير، فوجئت القيادة المركزية الأميركية بإبلاغ سعودي يفيد بأن القوات الأميركية لن تتمكن من استخدام المجال الجوي السعودي أو قواعد في المملكة، بينها قاعدة الأمير سلطان، في إطار عملية مرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز. كما تفاجأ المستوى السياسي في واشنطن بالموقف السعودي، خصوصًا أن الإدارة الأميركية لم تنسق مسبقًا مع الرياض قبل الإعلان عن العملية.
وأدى الموقف السعودي إلى موجة اتصالات مكثفة ومتوترة بين مسؤولين أميركيين كبار وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. ووفق التقارير، تحدث ترامب مع بن سلمان أكثر من مرة في الأيام الأولى للعملية، كما أجرى نائب الرئيس جيه دي فانس ومبعوثون مقربون من ترامب اتصالات منفصلة معه، غير أن ولي العهد السعودي تمسك بموقفه الرافض للعملية خشية أن تؤدي إلى إشعال مواجهة جديدة مع إيران.
السعودية ترسم خطًا مستقلًا في الخليج
وتشير المعطيات إلى أن الأزمة حول “مشروع الحرية” تعكس تباينًا أوسع بين واشنطن والرياض بشأن إدارة الملفات الأمنية في الشرق الأوسط، ولا سيما العلاقة مع إيران والدور الإسرائيلي في ترتيب الأولويات الإقليمية. فبينما تضع إسرائيل الملف النووي الإيراني في صدارة أجندتها، ترى السعودية أن الخطر الإيراني الأكثر إلحاحًا يتمثل في الصواريخ، الميليشيات الإقليمية، وتهديد الملاحة ومصالح الطاقة في الخليج.
وفي هذا السياق، بدأت الرياض خلال الفترة الأخيرة بتوسيع هامش حركتها المستقلة، من خلال تعزيز قنواتها مع قوى إقليمية ودولية، بينها الصين وباكستان، إلى جانب اتصالات مباشرة مع طهران حول أمن مضيق هرمز ومسائل خفض التصعيد.
هرمز في قلب الصراع الاقتصادي والأمني
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط المنقولة بحرًا، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على أسواق الطاقة العالمية. وقد شهد المضيق خلال الأشهر الأخيرة توترًا كبيرًا على خلفية الحرب والتجاذبات حول حرية الملاحة، قبل أن تعلن واشنطن وطهران عن تفاهم مؤقت سمح بعودة تدريجية لحركة السفن وتراجع أسعار النفط من مستوياتها المرتفعة خلال الحرب.
لكن التوتر لم ينتهِ بالكامل، إذ تصر إيران، بحسب تقارير حديثة، على الاحتفاظ بدور في تنظيم المرور عبر المضيق، بما في ذلك المطالبة بحقوق تتعلق بتنظيم حركة السفن وربما فرض رسوم مستقبلية، وهو ما ترفضه واشنطن التي تؤكد أن المضيق ممر دولي يجب أن يبقى مفتوحًا.
من حليف تقليدي إلى شريك حذر
ورغم أن الولايات المتحدة والسعودية حليفتان تقليديتان منذ عقود، فإن الأزمة الأخيرة كشفت حدود هذا التحالف في ظل تغيّر الحسابات السعودية. فالرياض، التي دعمت رسميًا التفاهمات الأميركية الإيرانية الأخيرة، تبدو أكثر حرصًا على تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة، حتى لو جاء ذلك على حساب خطط أميركية معلنة في الخليج.
وتؤكد هذه التطورات أن العلاقة بين واشنطن والرياض دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد السعودية مستعدة بالضرورة للسير خلف كل قرار أميركي في المنطقة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمواجهة إيران أو بترتيبات أمنية قد تنعكس مباشرة على استقرار الخليج ومصالحها الاقتصادية.
نفي غير مباشر وتوتر قائم
وفي ردها على التقارير، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن الرئيس ترامب يتمتع بعلاقة “ممتازة” مع السعودية، لكنها لم تنفِ وجود خلافات حول طريقة التعامل مع التطورات في مضيق هرمز. وأضافت أن الرئيس الأميركي يتخذ قراراته في نهاية المطاف بناءً على ما يراه أفضل لمصلحة الشعب الأميركي والأمن القومي للولايات المتحدة.
ومع عودة الهدوء النسبي إلى مضيق هرمز، تبقى الأزمة التي رافقت “مشروع الحرية” مؤشرًا على تحوّل أعمق في موازين العلاقة بين واشنطن والرياض، وعلى أن السعودية تسعى إلى إدارة ملفات الخليج وفق حساباتها الخاصة، حتى عندما تتعارض هذه الحسابات مع أجندة البيت الأبيض.


