تواصل موجة الحر الاستثنائية اجتياح القارة الأوروبية لليوم الخامس على التوالي، وسط تحذيرات متصاعدة من تداعيات صحية وإنسانية خطيرة، حيث يُتوقع أن يواجه نحو 94 مليون شخص درجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، في واحدة من أشد موجات الحر التي شهدتها أوروبا خلال العقود الأخيرة.
وتحذر هيئات الأرصاد الجوية من أن ما يُعرف بـ"القبة الحرارية" التي تغطي أجزاء واسعة من غرب القارة باتت تُقارن بموجة الحر الكارثية التي ضربت أوروبا عام 2003 وأودت بحياة نحو 80 ألف شخص، بينهم 15 ألفًا في فرنسا وحدها.
وتسجل العواصم والمدن الأوروبية درجات حرارة قياسية، إذ يُتوقع أن تصل الحرارة إلى 41 درجة مئوية في باريس، و38 في مدريد، و37 في فرانكفورت، و36 في بروكسل، و35 في روما، فيما تقترب لندن وأمستردام من 34 درجة مئوية.
ويعزو الخبراء هذه الظروف المناخية القاسية إلى ظاهرة جوية نادرة تُعرف باسم "حاجز أوميغا"، حيث تحتجز كتلة ضخمة من الهواء الساخن فوق القارة لفترات طويلة، ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة يومًا بعد يوم لتتجاوز المعدلات الموسمية بما يصل إلى 18 درجة مئوية.
فرنسا ترفع مستوى التأهب
وفي فرنسا، التي سجلت أمس أعلى متوسط حرارة يومي منذ بدء القياسات قبل نحو 80 عامًا، رفعت السلطات مستوى التأهب إلى الدرجة الحمراء في 58 مقاطعة. كما تعمل فرق الطوارئ على إعادة التيار الكهربائي إلى نحو 68 ألف منزل انقطعت عنه الخدمة بفعل الأحمال المرتفعة. ومنذ بداية موجة الحر، سُجلت وفاة 48 شخصًا غرقًا أثناء محاولتهم الهروب من الحر في البحار والأنهار والبحيرات، إضافة إلى وفاة طفلين بعد احتجازهما داخل سيارة مغلقة تحت أشعة الشمس.
وأدت درجات الحرارة المرتفعة إلى فرض قيود على ساعات زيارة أبرز المعالم السياحية في باريس، بينها برج إيفل ومتحف اللوفر، فيما أغلقت مدارس أبوابها مبكرًا وشهدت شبكة المواصلات العامة اضطرابات واسعة.
اغلاق مدارس
أما في المملكة المتحدة، فقد أُغلقت مئات المدارس أو قلّصت ساعات الدراسة، فيما أصدرت السلطات للمرة الثانية فقط في تاريخ البلاد تحذيرًا أحمر من الحرارة الشديدة. كما أوصت شركات السكك الحديدية المواطنين بتجنب السفر غير الضروري بسبب مخاطر تشوه القضبان وتأثر البنية التحتية بفعل الحرارة، بينما ألغت شركة "يوروستار" عددًا من الرحلات بين لندن وباريس.
وفي إيطاليا، أعلنت وزارة الصحة حالة التأهب القصوى في 16 مدينة، مع توقعات ببلوغ الحرارة 41 درجة في فلورنسا و38 في ميلانو، فيما قد يصل الإحساس الفعلي بالحرارة في بعض المناطق الساحلية إلى 45 درجة مئوية بسبب الرطوبة المرتفعة.
كما تواجه إسبانيا وسويسرا ظروفًا مناخية استثنائية، حيث سُجلت وفيات مرتبطة بضربات الشمس في إسبانيا، بينما لجأت مدن سويسرية إلى فتح دور السينما المكيّفة مجانًا لكبار السن للتخفيف من آثار الحر الشديد.
موجة الحر تمتد
ويتوقع خبراء المناخ أن تمتد موجة الحر خلال الأيام المقبلة إلى مزيد من دول وسط وشرق أوروبا، بما في ذلك بولندا والمجر وكرواتيا، مع احتمال تسجيل درجات حرارة تقترب من 40 درجة مئوية في أجزاء من ألمانيا.
ويؤكد العلماء أن التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري يسهم بشكل مباشر في زيادة وتيرة وشدة موجات الحر حول العالم. ووفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، توفي أكثر من 200 ألف شخص في أوروبا خلال السنوات الأربع الماضية لأسباب مرتبطة بالحرارة، فيما تشير بيانات برنامج "كوبرنيكوس" الأوروبي لمراقبة المناخ إلى أن أوروبا تُعد القارة الأسرع ارتفاعًا في درجات الحرارة على مستوى العالم، بمعدل يفوق المتوسط العالمي بمرتين منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وتشير البيانات إلى أن عام 2024 كان الأكثر حرارة في التاريخ المسجل عالميًا، بينما شهدت أوروبا ثاني أعلى عدد من أيام الإجهاد الحراري منذ بدء توثيق هذه الظاهرة، في مؤشر جديد على تصاعد آثار التغير المناخي في القارة.



