تطرح الولايات المتحدة غدًا (الاثنين) على مجلس الأمن مسودة قرار لإنهاء الحرب في قطاع غزة وتحديد آليات الاستقرار بعد وقف إطلاق النار، بموجب خطة من 20 نقطة تبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أيلول/سبتمبر الماضي، والتي حظيت بدعم واسع من دول عربية وإسلامية.
في المقابل، قدّمت روسيا مسودة مضادة تعارض جوهر الطرح الأميركي، ما يمهّد لمواجهة دبلوماسية محتدمة في المجلس، خصوصًا في ظل امتلاك موسكو وبكين حق النقض (الفيتو)، وهو ما قد يحبط تمرير القرار الأميركي.
خلافات جوهرية
على الرغم من أن المسودتين الأميركية والروسية تتفقان في الهدف المعلن المتمثل بترسيخ وقف إطلاق النار وبلورة “حل شامل للصراع في غزة”، فإن الخلافات الجوهرية بينهما تكشف عن رؤيتين متنافستين حول مصير القطاع ومستقبله الأمني والسياسي.
في الجانب الأميركي، تركز واشنطن على تفكيك حركة حماس ونزع سلاحها، وإقامة منظومة أمنية دولية لإعادة ضبط الأوضاع في غزة. وتقترح مسودة القرار الأميركي إنشاء كيان دولي يسمى "مجلس السلام" يتولى إدارة المرحلة الانتقالية، مع نشر قوة دولية واسعة الصلاحيات للإشراف على الأمن، وتأهيل أجهزة أمن فلسطينية بديلة، بالتنسيق مع إسرائيل ومصر.
في المقابل، تمتنع موسكو عن تبني شرط نزع سلاح حماس، وترفض إجراء تغييرات بنيوية في منظومة الحكم الفلسطيني. وتؤكد مسودتها على أن السلطة الفلسطينية هي الكيان الشرعي الوحيد القادر على إدارة قطاع غزة، دون اشتراط إصلاحات، مع تمسك واضح بوحدة جغرافية بين غزة والضفة الغربية تحت قيادتها. وتدعو روسيا الأمم المتحدة للنظر في إرسال قوة تثبيت دولية، لكن دون فرض أي "هندسة سياسية جديدة" على القطاع.
وتتفق المسودتان في عدة نقاط، أبرزها الدعوة لمواصلة وقف إطلاق النار، وتثمين دور الوساطة الذي أدته مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة، إضافة إلى إدراج بُعد إنساني واسع يشمل تدفق المساعدات والإصلاحات الأولية للبنى التحتية المدنية. كما تستخدم واشنطن وموسكو لغة مشتركة بشأن "حل الدولتين" كمسار طويل الأمد لإنهاء النزاع.
ويمثّل الشق المتعلق بإدارة القطاع فارقًا حاسمًا بين الطرحين، حيث تدفع واشنطن نحو إنشاء منظومة حكم انتقالية، تشرف عليها جهات دولية وتديرها لجنة فلسطينية تكنوقراطية، ريثما تُعتمد إصلاحات داخل السلطة الفلسطينية. أما روسيا، فتدعو لإعادة السلطة فورًا إلى غزة كأساس وحيد للشرعية، مع رفض أي تغييرات مؤسساتية في هيكلها.
سيادة غزة وملف الإعمار
وتختلف الدولتان كذلك في الحديث عن سيادة غزة وحدودها. تضيف موسكو بندًا واضحًا يمنع أي تغيير ديمغرافي أو جغرافي في القطاع، بما ينسجم مع الموقف الفلسطيني والعربي. في المقابل، تركز المسودة الأميركية على الجوانب الأمنية والتنسيق مع إسرائيل بشأن المعابر والحدود، دون التطرق لهذا الجانب.
على صعيد إعادة الإعمار، تتعامل روسيا مع الملف بشكل عام دون تفاصيل مالية واضحة، بينما تقترح واشنطن إنشاء صندوق ائتماني خاص في البنك الدولي يجمع الموارد لإعادة إعمار غزة، بإشراف “مجلس السلام” ومساهمات دولية واسعة.
الموقف الاسرائيلي
وترى اسرائيل أن الطرح الروسي يتجاهل جوهر أهداف الحرب، وهو تفكيك حماس وإبعادها عن الحكم. أما المقترح الأميركي، رغم توافقه مع الرواية الإسرائيلية في هذا الجانب، فيطرح مسارًا سياسيًا يقود في نهاية المطاف إلى سيطرة السلطة الفلسطينية، وهو ما ترفضه إسرائيل بشدة، خصوصًا في ظل الحديث الصريح عن "حل الدولتين".
بذلك، يضع الصراع الدبلوماسي الجاري في مجلس الأمن مستقبل غزة في قلب منافسة عالمية بين واشنطن وموسكو، ويكشف عمق التباين بين رؤية تغيير بنيوي جذري، وأخرى تقترح إدارة النزاع عبر إعادة تثبيت الوضع القائم ببعض الترتيبات الأمنية.
First published: 19:10, 16.11.25




