مع اقتراب نهائي كأس العالم 2026، الذي يجمع غدًا الأحد منتخبي الأرجنتين وإسبانيا، وجّه مختصون تحذيرات من أن التوتر والانفعال الشديدين اللذين يرافقان متابعة المباريات الحاسمة قد لا يقتصران على الجانب العاطفي، بل قد ينعكسان أيضًا على صحة القلب والجهاز العصبي، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض قلبية مسبقة.
وأوضح الدكتور مات باتلر، أخصائي الطب النفسي والعصبي في كلية لندن الملكية، أن الدماغ يتعامل مع المنافسات الرياضية كما لو أن المشجع يشارك فيها بنفسه، وهي ظاهرة تُعرف باسم "اندماج الهوية"، حيث يرتبط المشجع بفريقه إلى درجة تجعل الانتصارات والهزائم تُترجم إلى استجابات جسدية ونفسية حقيقية.
التوتر قد يصل إلى أزمة قلبية
ويشير باتلر إلى أن لحظات التوتر القصوى أثناء المباريات تؤدي إلى تنشيط استجابة الجسم المعروفة بـ"الكر أو الفر"، ما يرفع مستويات الأدرينالين والكورتيزول، ويزيد من سرعة نبضات القلب وضغط الدم، في الوقت الذي تنقبض فيه الأوعية الدموية المغذية لعضلة القلب، الأمر الذي قد يشكل عاملًا محفزًا للنوبات القلبية لدى الأشخاص الأكثر عرضة للخطر.
وتستشهد الأبحاث بحادثة وقعت خلال مونديال البرازيل عام 2014، عندما تعرض مشجع تشيلي يبلغ من العمر 58 عامًا لأزمة قلبية عقب إهدار منتخب بلاده ركلة جزاء، فيما أُصيبت زوجته لاحقًا بما يُعرف بـ"متلازمة القلب المنكسر"، وهي حالة مرضية مرتبطة بالتوتر النفسي الحاد.
دراسات تربط المباريات بارتفاع النوبات القلبية
وأظهرت دراسة إسبانية ارتفاعًا بنحو 30% في حالات النوبات القلبية التي استدعت نقل المصابين إلى المستشفيات خلال أيام مباريات الدوري المحلي، خاصة بين الرجال الذين لديهم تاريخ مرضي في القلب، ولا سيما عندما يتعرض فريقهم المفضل للخسارة.
كما كشفت دراسة أُجريت على مشجعين إسبان خلال نهائي كأس العالم 2010 عن ارتفاع ملحوظ في مستويات هرمون التوتر "الكورتيزول"، وكانت النسب الأعلى لدى الرجال والشباب والمشجعين الأكثر ارتباطًا بفرقهم.
ولم يتوقف تأثير المباريات عند صافرة البداية، إذ أظهرت دراسة أخرى تابعت مشجعين للمنتخب الألماني باستخدام ساعات ذكية على مدى 12 أسبوعًا، أن مؤشرات التوتر تبدأ بالارتفاع قبل 12 ساعة من انطلاق المباراة.
تأثيرات تمتد إلى الهرمونات والسلوك
ورصدت دراسات أخرى ارتفاعًا في مستويات هرمون التستوستيرون لدى المشجعين خلال المباريات النهائية، وهو ما يعكس استجابة الجسم للمنافسة حتى لدى المتابعين من خارج الملعب.
كما بيّنت دراسة تناولت بطولة أمم أوروبا 2024 أن النشاط الجنسي بين المشجعين يرتفع بنحو 27% عقب فوز منتخباتهم الوطنية مقارنة بحالات الخسارة، وهو ما يراه بعض الباحثين أحد التفسيرات المحتملة لارتفاع معدلات المواليد بعد البطولات الكبرى.
الخبراء: لا داعي للقلق... لكن احذروا الإفراط في الانفعال
ويؤكد باتلر أن هذه التأثيرات لا تقتصر على كرة القدم، بل تظهر أيضًا في رياضات تنافسية أخرى، إلا أن ندرة تسجيل الأهداف في كرة القدم تجعل كل هدف يحمل شحنة عاطفية كبيرة قد تنعكس مباشرة على الحالة الجسدية للمشجعين.
ورغم ذلك، شدد الخبير البريطاني على أن احتمال تعرض الأشخاص الأصحاء لمضاعفات قلبية خطيرة بسبب متابعة المباريات يبقى منخفضًا، مؤكدًا أن الخطر يتركز بشكل أساسي لدى من يعانون أصلًا من أمراض القلب أو عوامل خطورة معروفة، وهو ما يستدعي منهم تجنب الانفعال المفرط خلال المباريات الحاسمة.

