لم تعد إعلانات شركات الاتصالات في مصر مجرّد فواصل ترويجية عابرة خلال موسم رمضان، بل تحوّلت إلى مساحة تنافس فنّي وإعلامي قائمة بذاتها، تتقاطع فيها أسماء النجوم مع أعمال غنائية مصوّرة تُنَفّذ بميزانيّات ضخمة. ومع كلّ موسم، تدخل شركات مثل Orange وVodafone وZein وغيرهنّ السباقَ بإنتاجات ضخمة تتجاوز حدود الإعلان التقليدي، فتقدّم أعمالًا أقرب إلى فيديو كليب جماعي، تُشاهَد وتُتداوَل كما لو كانت جزءًا من المشهد الثقافي الرمضاني.
وتندرج هذه الحملات ضمن توجّه واضح إلى تعزيز حضور العلامة التجارية في وعي الجمهور وذاكرته؛ إذ لم تعد المنافسة تدور حول فكرة الحملة وحدها، بل حول اختيار النجم المناسب وصناعة أغنية قادرة على العيش خارج إطار الإعلان. ويبدو هذا التوجّه أكثر وضوحًا في موسم 2026، حيث اجتمعت أسماء فنّية ثقيلة مع أرقام مشاهدة لافتة، فصار "الأثر" جزءًا أساسيًّا من معادلة النجاح، إلى جانب حجم الانتشار الرقمي.
الأغنية أوّلًا: تحوّل الإعلان إلى تجربة موسيقيّة كاملة
وأبرز ما ميّز إعلانات هذا الموسم كان اعتماد الشركات على الأغنية بوصفها قلب الحملة، لا مجرّد خلفية موسيقية. وقد ظهر ذلك بوضوح في إعلان شركة "e&" المصرية للاتصالات، عبر ديو "من قلبي" الذي جمع تامر حسني وSaint Levant، إذ حصد الإعلان نحو 93 مليون مشاهدة على يوتيوب خلال أربعة أيام، بينما أشارت تقارير إلى وصوله إلى مئات الملايين عبر المنصّات الرقمية المختلفة.
وتقوم "من قلبي" على فكرة العِشرة والقرب أكثر من أيّ طرح رمزي متكلّف؛ كلماتُها بسيطة ومباشرة، تلتقط تفاصيل المشاركة اليومية في الحلوة والمُرّة، فتبدو أقرب إلى خطاب يُقال بين مقرّبين منه إلى صياغة إعلانية مصقولة. ومن عبارات مثل "أكتر حاجة بتفرّحني فرحة قلبك" و"طول عمرنا مع بعض أنا وانت"، يتشكّل إحساس بالقرب العاطفي يفسّر سهولة التصاق الأغنية بالذاكرة. ثمّ تصل في ختامها إلى جملة تختصر رسالة الحملة من دون أن تقطع الإيقاع: "الفرحة اللي بجدّ إنك تفرّح حدّ"، فيتحوّل الإحساس الشخصي إلى فكرة أوسع، حيث يُقدَّم الفرح كفعلٍ مشترك، لا كحالة فردية.
أمّا إعلان Orange بأغنية "ناقصاك القعدة" لعمرو دياب، فجاء امتدادًا للفكرة نفسها لكن بلغة جماعيّة أوضح: فالنصّ الغنائي لا يكتفي بالتعبير عن الاشتياق، بل يدعو صراحةً إلى العودة للمّة: "كلنا يلا هنستناك" و"دي ليلة من اللي في بالنا". هذا المزاج انعكس بصريًا من خلال ظهور دياب مع أولاده، في صورة أقرب إلى جلسة عائلية مفتوحة منها إلى مشهد إعلاني تقليدي. ومع تجاوز الأغنية نحو 69 مليون مشاهدة، بدا العمل كأنه امتداد طبيعي لروح الأغنية؛ لقاء عائلي مفتوح يقدّم الاشتياق كشعور يومي بسيط، لا كحكاية مصطنعة.
بين النجومية والحنين – حين يصنع الإعلان لحظة استثنائية
إذا كانت بعض الحملات تراهن على نجمٍ واحد، فإنّ إعلان Vodafone اختار توزيع النجومية على أكثر من اسم، جامعًا محمد منير وأمير عيد وياسمين عبد العزيز ومنّة شلبي وغيرهم، ضمن أغنية "يا واحشني" التي تخطّت 50 مليون مشاهدة. غير أنّ أكثر ما علق لدى الجمهور لم يكن الجانب الغنائي بقدر ما كانت لحظة عاطفية صافية، وهي عودة عبلة كامل بعد سنوات من الغياب.
فمشهدها القصير، وهي تستقبل ضيفتيها وتضمّهما إلى حضنها، أعاد استدعاء ذاكرة جماعية لدى الجمهور، وجعل الإعلان يتجاوز حدود الترفيه إلى مساحة من الحنين، ضمن توجّه تسويقي أوسع يعتمد، على ما يبدو، على التأثير الوجداني في المشاهد. وبحسب ما تشير إليه التقارير، تُراهن بعض الحملات تحديدًا على هذا النوع من التأثير، فتبني استراتيجيّتها على الحضور العاطفي؛ فلا يكون الهدف عدد النجوم بقدر ما هو خلق لحظة يشعر المشاهد أنّها تخصّه شخصيًا.
رسائل بسيطة قريبة من الناس
في إعلان شركة WE، قدّمت إليسا أغنية "كل يوم أحلى يوم" التي قاربت 42 مليون مشاهدة، وجاءت كلماتها قائمة على فكرة الوفاء لشخص يشكّل "عِشرة العمر". ويقدّم النصّ الغنائي حضورًا ثابتًا لأشخاص، يخفّف ثقل الأيّام ويبدّل تفاصيلها، كما في لازمة "أنا لو هختار هختارك انت"، دون الاستناد إلى حبكة كبيرة أو تصعيد درامي معيّن. هذا الهدوء في اللغة انعكس على شكل الإعلان أيضًا، فبدا أقرب إلى رسالة امتنان لمن يبقى، لا إلى استعراض بصري صاخب.
أمّا إعلان Zain بأغنية "الدنيا بخير" لمحمد فضل شاكر، فحافظ على بساطة الخطاب ولكن باتّجاه أكثر روحانية؛ إذ اعتمدت الكلمات على مفردات الطمأنينة والدعاء ورؤية عامٍ "صافٍ كافٍ شافٍ"، في مواجهة الضجيج اليومي وكثرة التوقّعات والتنبّؤات. الأغنية لا ترفع الإيقاع بقدر ما تبني إحساسًا هادئًا بالأمل، وهو ما جعلها منسجمة مع فكرة الرسائل البسيطة التي تخاطب شعور الناس مباشرةً، بعيدًا عن الزخم الاستعراضي.
شركات العقارات تدخل السباق
ولم تقتصر الظاهرة على شركات الاتصالات وحدها، إذ لفت إعلان شركة Wadi Degla Developments العقارية الانتباه عبر أغنية "مين يادوب" لماجد الكدواني، التي حصدت نحو 2.5 مليون مشاهدة. العمل، الذي يتناول بروح ساخرة تحوّلات ما بعد الثلاثين، قدّم نصًّا غنائيًا شديد القرب من تفاصيل الحياة اليومية، من الشعرة البيضاء الأولى إلى لحظة قبول فكرة "العمو" و"الطنط". وكون الكدواني ممثّل بالأساس وليس مغنّيًا، فإنّ هذه المفارقة منحت الأغنية خِفّة إضافية جعلتها تنتشر بين الجمهور بوصفها تعليقًا مرحًا على مرحلة مفصليّة من العمر يتشاركها كثيرون.
وفي السياق نفسه، دخلت شركة "Hyde Park Developments" السباق عبر إعلان بأغنية "أكتر وأكتر" لعمرو دياب، التي حصدت نحو 8 ملايين مشاهدة خلال أربعة أيام. وعلى خلاف الطابع الساخر في "مين يادوب"، جاءت هذه الأغنية بنبرة دافئة تُمسك بفكرة الفرح البسيط الذي يتضاعف مع حضور شخص مقرّب: "بفرح لما بنتكلم، ولما بنتقابل بفرح أكتر"، و"القعدة معاك بالدنيا". هذا النصّ منح الإعلان طابعًا عاطفيًّا رومانسيًّا أكثر ممّا يقدّم حملة عقارية مباشرة، بما يكرّس توجّه الشركات نحو استخدام الأغنية كمدخل وجداني للوصول إلى الجمهور.
ما وراء الشاشة – أرقام ضخمة وصناعة معقّدة
بعيدًا عن الصورة النهائية التي يشاهدها الجمهور، تشير التقارير إلى أنّ هذه الحملات تُدار وفق معادلات تسويقية معقّدة، تبدأ قبل رمضان بأشهر طويلة وتشمل مفاوضات حول الأجور وحقوق الأغاني وخطط الانتشار الرقمي. وتقدّر بعض المصادر أنّ ميزانيات الإعلانات الكبرى قد تصل إلى نحو 78 مليون جنيه، يذهب جزء كبير منها إلى أجر النجم الرئيسي، فيما تتوزّع بقيّة الميزانية بين الإنتاج وشراء مساحات البثّ.
ولا يُنظر إلى هذه الأرقام داخل الشركات باعتبارها إنفاقًا ترفيهيًا، بل كرهان على الحضور الذهني طوال العام؛ إذ يُعدّ إعلان رمضان، بحسب بعض التقارير، اختبارًا لقدرة العلامة التجارية على البقاء في الواجهة وتحويل دقائق معدودة إلى حضور طويل الأمد في السوق.
ومع تراكم هذه التجارب، يبدو واضحًا أنّ إعلانات الاتصالات في رمضان لم تعد مجرّد فواصل إعلانية، بل موسمًا ثقافيًا موازيًا يدمج بين الموسيقى والصورة والذاكرة الجماعية. وبين ديوهات عابرة للأجيال، وعودة أسماء غائبة، وأغانٍ تُعاد مشاركتها خارج سياقها الأصلي، يتحوّل الإعلان إلى مادّة يستهلكها الجمهور بوصفها تجربة كاملة، لا رسالة تسويقية سريعة.
First published: 14:50, 23.02.26


