شهدت مدينة الناصرة ليلة دامية، بعد مقتل ثلاثة أشخاص في جريمتي إطلاق نار منفصلتين خلال ساعات قليلة، في وقت تتجدد فيه المخاوف من استمرار دوامة الجريمة والعنف في المجتمع العربي.
وقُتل نور نفافعة ونور حلو إثر تعرضهما لإطلاق نار داخل مركبة في المدينة، فيما قُتل بعد نحو ساعتين الشاب مصطفى بدرة، البالغ نحو 25 عامًا، في جريمة إطلاق نار أخرى. ولم تتضح حتى الآن أي صلة بين الجريمتين، فيما فتحت الشرطة تحقيقًا وباشرت عمليات البحث عن المشتبهين.
"الهدوء كان شكليًا"
المحامية راوية حندقلو، مديرة مركز "إيلاف" لتعزيز الأمان في المجتمع العربي، رفضت وصف الفترة الأخيرة بأنها شهدت هدوءًا حقيقيًا في ملف الجريمة، معتبرة أن انخفاض عدد القتلى خلال فترة معينة لا يعكس بالضرورة الواقع الذي يعيشه المجتمع العربي.
وقالت حندقلو: "كان هناك هدوء قد يكون شكليًا، لأننا كمجتمع لا نعد فقط الضحايا يوميًا. كان هناك إطلاق نار، وأشخاص مهددون، وآخرون يعيشون تحت ابتزاز الجريمة المنظمة حتى عندما انخفض عدد القتلى". وأضافت: "لم يكن هناك هدوء حقيقي، ومجتمعنا ما زال ينزف كل يوم، وشعور الخوف يرافق الجميع".
وبحسب حندقلو، فإن الحديث عن "هدوء نسبي" من شأنه أن يجمل صورة الواقع، بينما تستمر مظاهر العنف والتهديد والابتزاز حتى في الفترات التي لا تسجل فيها أعداد مرتفعة من جرائم القتل.
انتقادات لأداء الحكومة والشرطة
راوية حندقلو: راوية حندقلو: "لم يكن هناك هدوء حقيقي ومجتمعنا ما زال ينزف"
غرفة الأخبار
06:58
وحملت حندقلو الحكومة مسؤولية واسعة عن استمرار الأزمة، معتبرة أن التعامل مع الجريمة في المجتمع العربي لا يمكن اختزاله بأداء الشرطة وحدها. وقالت إن الحديث عن "فشل" الحكومة قد لا يكون كافيًا لوصف الواقع، مضيفة أن سياسات الحكومة الحالية تجاه المجتمع العربي ساهمت، بحسب تقديرها، في تعميق حالة التفكك والخوف.
كما وجهت انتقادات إلى ما وصفته بتسييس جهاز الشرطة في عهد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، مشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين عن التقصير في مواجهة الجريمة.
وأضافت أن المطالبة بالمحاسبة وحدها لن تكون كافية "من دون خطوات عملية ومن دون حضور واضح لقضية الجريمة والعنف ضمن المطالب السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع العربي".
"الجريمة ليست مشكلة ثقافية داخلية"
وحذرت حندقلو من التعامل مع الجريمة وكأنها نتاج ثقافي داخلي في المجتمع العربي، معتبرة أن هذا الطرح يتجاهل مسؤولية مؤسسات الدولة في تطبيق القانون وملاحقة منظمات الجريمة. وقالت إن المطلوب هو "رفض تحويل قضية الجريمة والعنف إلى مشكلة ثقافية تخص المجتمع العربي"، والتأكيد على ضرورة توفير أدوات تطبيق القانون والحماية والأمن الشخصي للمواطنين.
وشددت على أهمية تكامل أدوار الأجسام المهنية والسياسية والمجتمعية، بحيث لا يبقى الملف محصورًا في المطالب العامة، وإنما يتحول إلى قضية مركزية لها أهداف وخطوات وآليات واضحة.
واقع 2026 مختلف عن السنوات السابقة
وعن المقارنة مع فترة حكومة التغيير، قالت حندقلو إن المعطيات آنذاك أظهرت انخفاضًا في أعداد القتلى وتحسنًا في ملاحقة بعض رموز الجريمة، لكنها حذرت من إسقاط تجربة تلك المرحلة بصورة تلقائية على الواقع الحالي.
وقالت إن "الواقع في 2025 و2026 مختلف"، موضحة أن منظمات الجريمة أصبحت أكثر تجذرًا وتداخلًا في مختلف مناحي الحياة داخل المجتمع العربي. وأضافت أن أي خطة مستقبلية لا بد أن تُحدّث وتلائم هذا الواقع الجديد، بدل الاكتفاء بإعادة تطبيق برامج أُعدت في ظروف مختلفة.
آلاف الضحايا خارج أرقام القتلى
ولفتت حندقلو إلى جانب قالت إنه لم يحظَ بالاهتمام الكافي في الخطط الحكومية السابقة، وهو التعامل مع ضحايا الجريمة وعائلاتهم. وقالت إن الحديث لا يقتصر على القتلى أنفسهم، وإنما يشمل "آلاف الأيتام والجرحى والعائلات المنكوبة وشهود العيان"، معتبرة أن تأثير الجريمة أصبح يطال شرائح واسعة من المجتمع.
وأكدت أن أي خطة مستقبلية لمكافحة الجريمة يجب أن تكون شمولية، وأن تجمع بين تطبيق القانون، والحماية الاجتماعية، ومعالجة آثار الجريمة، إلى جانب مواجهة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تغذي هذا الواقع.


