بينها الناصرة: أسواق المدن العربية القديمة تفقد زوارها ومحال تغلق وأخرى تصارع من أجل البقاء

صاحب مقهى "ليوان" في سوق الناصرة لـ"راديو الناس": الحركة تراجعت بشدة والحرب والسياحة والعنف فاقمت الأزمة | خبير في علم النفس الاستهلاكي: المجمعات التجارية تقدم تجربة استهلاكية مختلفة وإنقاذ الأسواق القديمة يحتاج إلى تغيير التجربة وتعزيز ثقافة دعم الاقتصاد المحلي 

1 عرض المعرض
سوق الناصرة - صورة عامة
سوق الناصرة - صورة عامة
سوق الناصرة - صورة عامة
(Flash90)
شهدت الأسواق القديمة في عدد من المدن والبلدات العربية خلال السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في أعداد الزوار والمتسوقين، بالتزامن مع تنامي الإقبال على المراكز والمجمعات التجارية الحديثة وتغير أنماط الاستهلاك، فيما وجد أصحاب محال ومصالح تجارية في أسواق تاريخية، بينها الناصرة وعكا ويافا والقدس، أنفسهم أمام تحديات متزايدة للحفاظ على استمرارية أعمالهم.
ولا ترتبط الأزمة بعامل واحد، إذ تتداخل فيها التحولات في ثقافة التسوق مع الظروف الاقتصادية، وتراجع السياحة خلال السنوات الأخيرة، وتداعيات الحرب، إضافة إلى الأوضاع العامة التي أثرت على الحركة التجارية في البلدات العربية.
وفي مقابلات مع "راديو الناس"، وصف سامي جبالي، صاحب مقهى "ليوان الثقافي" في سوق الناصرة، واقعًا صعبًا يواجه التجار المتبقين في السوق، فيما اعتبر الخبير في علم النفس الاستهلاكي والمستشار التنظيمي عبد الهادي خروب أن المنافسة مع المجمعات التجارية لا تتعلق بالأسعار وحدها، وإنما بالتجربة الكاملة التي يبحث عنها المستهلك.

من انتعاش تدريجي إلى تراجع حاد

جبالي: الحركة تراجعت بشدة والحرب والسياحة والعنف فاقمت الأزمة
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
03:57
وقال جبالي إن مقهى "ليوان الثقافي" يعمل في سوق الناصرة منذ نحو عشر سنوات، مشيرًا إلى أن مجموعة محدودة من التجار القدامى حافظت على وجودها في السوق طوال السنوات الماضية، رغم الصعوبات الكبيرة.
وأضاف أن السنوات التي أعقبت افتتاح المقهى شهدت محاولات لإعادة الحياة إلى السوق، مع افتتاح عشرات المصالح الجديدة.
وقال جبالي: "بعد افتتاحنا، ورغم أن الطريق كان صعبًا، افتُتح خلال عدة سنوات نحو خمسة وثلاثين إلى أربعين محلًا جديدًا، وكانت الحركة جيدة جدًا، كما أخذ عدد الزوار بالارتفاع من سنة إلى أخرى".
وبحسب جبالي، تمكنت المصالح من تجاوز أزمة كورونا، إلا أن التطورات التي أعقبت ذلك، وخصوصًا الحرب، أعادت السوق إلى الوراء بصورة حادة.
وأضاف: "لا يمكن إنكار أن الحرب كان لها تأثير كبير جدًا على تدهور أوضاع غالبية التجار وأصحاب المحال. السياحة العالمية كانت ركيزة أساسية للسوق، إلى جانب السياحة الداخلية من مختلف مناطق البلاد، وعندما تراجعت السياحة وتدهور الوضع الاقتصادي لدى الناس، انعكس ذلك علينا مباشرة".
وأشار أيضًا إلى تأثير العنف المتصاعد في المجتمع العربي على الحركة التجارية، معتبرًا أنه شكل عاملًا إضافيًا دفع الناس إلى تقليص خروجهم وارتيادهم للأسواق.

"يمكن عد الداخلين إلى السوق بالعشرات وأحيانًا بالأفراد"

ورسم جبالي صورة قاتمة لحجم الحركة الحالية داخل سوق الناصرة، مشيرًا إلى أن عدد المصالح التي ما زالت تحافظ على نشاطها محدود، وأن السنوات الأخيرة، وخصوصًا خلال فترة الحرب، شهدت تراجعًا كبيرًا في أعداد الزوار.
وقال: "الأعداد التي بقيت صامدة قليلة جدًا. السوق كان يعاني أصلًا من إغلاق عدد كبير من المحال، لكننا بدأنا نرى تدريجيًا ارتفاعًا في عدد الزوار. في السنوات الأخيرة حدث تراجع كبير، وخصوصًا خلال سنتي الحرب الأخيرتين، وأصبح الوضع سيئًا جدًا".
وأضاف: "في بعض الأيام تستطيع أن تعد الأشخاص الذين يدخلون إلى السوق بالعشرات، وأحيانًا بالأفراد"، في إشارة إلى حجم التراجع الذي أصاب أحد أبرز المراكز التاريخية والتجارية في مدينة الناصرة.

مصالح تصمد على حساب العمال والمصاريف

ولا يعني استمرار بعض المحال في العمل، بحسب جبالي، أنها نجت من الأزمة اقتصاديًا، إذ اضطر أصحابها إلى خفض النفقات والاعتماد بصورة أكبر على الجهد الشخصي من أجل إبقاء الأبواب مفتوحة.
وقال: "استمرارنا يأتي على حساب أمور أخرى. أعتمد بصورة أكبر على جهدي الشخصي، وخفضت عدد العاملين والمصاريف، لأنني ما زلت مؤمنًا بضرورة الاستمرار، وهناك كثيرون لا يريدون رؤية ليوان أو غيره من المصالح يغلق أبوابه".
وتحدث في المقابل عن مجموعة محدودة من الزوار الذين يحرصون على دعم السوق بصورة منتظمة، سواء من سكان الناصرة أو من البلدات العربية الأخرى.
وأضاف: "لا يزال هناك أشخاص يأتون أسبوعيًا، يشترون ويجلسون لدينا ويزورون محال أخرى، لكن نسبتهم قليلة جدًا".

"لا نستطيع منافسة المجمعات.. لكن لا تنسوا سوق البلد"

وأقر جبالي بصعوبة منافسة الأسواق القديمة للمراكز التجارية الكبرى، معتبرًا أن هذه المجمعات أصبحت جزءًا من نمط استهلاكي عالمي لا يمكن تجاهله أو منعه.
لكنه دعا في الوقت نفسه الجمهور إلى عدم التخلي عن الأسواق التاريخية، وقال: "لا نستطيع الوقوف في وجه العملاق الكبير المتمثل بالمجمعات والمتاجر الكبرى، فهي تسيطر اليوم على جزء كبير من الاقتصاد العالمي، ولا نستطيع أن نطلب من الناس عدم الذهاب إليها. لكن المطلوب ألا ينسوا سوق البلدة القديمة".
وأضاف أن سوق الناصرة يمتلك قيمة تتجاوز عملية البيع والشراء، وقال: "سوق البلدة القديمة لدينا من أجمل الأسواق من الناحية المعمارية، ومن حيث الناس والمشي والتجربة التي يقدمها، وهناك مصالح لا تزال تصمد رغم كل الظروف".

لماذا يختار المستهلك المجمع التجاري؟

خروب: المجمعات التجارية تقدم تجربة استهلاكية مختلفة وإنقاذ الأسواق القديمة يحتاج إلى تغيير التجربة وتعزيز ثقافة دعم الاقتصاد المحلي
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
03:36
ومن جانبه، قال الخبير في علم النفس الاستهلاكي والمستشار التنظيمي عبد الهادي خروب إن اختيار المستهلك بين السوق القديمة والمجمع التجاري الحديث تحكمه عوامل متعددة ومتشابكة، ولا يمكن تفسيره فقط بالأسعار أو جودة المنتجات.
وأوضح أن الأسواق القديمة ترتبط غالبًا بعناصر نفسية وثقافية، بينها الحنين إلى الماضي والتجربة السياحية والترفيهية.
وقال خروب لـ"راديو الناس": "عندما نزور مدنًا في الخارج، نتوجه في كثير من الأحيان إلى البلدة القديمة أو مركز المدينة التاريخي، ولا تكون عملية الشراء مرتبطة بالمنتج والسعر والنوعية فقط، وإنما بالتجول والمغامرة والترفيه داخل السوق".
لكن المجمعات التجارية، بحسب خروب، نجحت بدورها في بناء تجربة ترفيهية متكاملة تستجيب لأنماط الاستهلاك الحديثة.
وأضاف: "في المجمع التجاري توجد العلامات التجارية ونمط استهلاكي معاصر اعتدنا عليه، إلى جانب المطاعم والترفيه والخدمات المختلفة، وبالتالي تتشكل بيئة وأجواء خاصة تختلف عن أجواء السوق المحلية القديمة".

فجوة بين الدعوة لدعم المحلي وسلوك المستهلك

وأشار خروب إلى وجود فجوة بين الحديث المتكرر عن أهمية دعم المصالح المحلية وبين القرار الذي يتخذه المستهلك عند لحظة الشراء، إذ غالبًا ما تحسم تجربته الشخصية ورغبته واحتياجاته المكان الذي يتوجه إليه.
وقال: "دعم الاقتصاد المحلي هو ثقافة ويحتاج إلى زيادة الوعي، ولا يمكن أن يتحقق من خلال رسالة واحدة أو دعوة عابرة إلى الشراء من المصالح المحلية".
وأوضح أن المسؤولية لا تقع على المستهلك وحده، بل إن على الأسواق نفسها والسلطات المحلية والمؤسسات العمل على إعادة جذب الجمهور.

مهرجانات وفعاليات لإعادة الحياة إلى الأسواق

واقترح خروب استخدام النشاطات الثقافية والترفيهية كأداة لإحياء الأسواق القديمة، مع الحفاظ على هويتها وطابعها التاريخي.
وقال: "عملية التشجيع يجب أن تكون متبادلة. يمكن للبلديات والمؤسسات والمجالس المحلية أن تنظم كرنفالات ومهرجانات وفعاليات تشجع الناس على العودة إلى هذه الأسواق والشراء منها".
ويضع ذلك تحدي الأسواق القديمة أمام معادلة تتجاوز المنافسة المباشرة مع المجمعات التجارية؛ فالحفاظ على هويتها التاريخية وحده قد لا يكون كافيًا لاستعادة الجمهور، فيما يتطلب إنعاشها اقتصاديًا تحويل زيارة السوق مجددًا إلى تجربة اجتماعية وثقافية وترفيهية تجذب المستهلك، بالتوازي مع تعزيز ثقافة دعم المصالح المحلية.