من البطوف إلى فلسفة التربية | د. كمال موعد: المدرسة لا تنجح بالمعلم وحده والطالب يجب أن يكون في مركز العملية التربوية

في برنامج "خارج الضوء" على راديو الناس، يستعيد الباحث في الفكر التربوي د. كمال حسن موعد رحلته من طفولة فلاحية في سهل البطوف إلى التعليم والإدارة والبحث الأكاديمي، ويتوقف عند تحولات المدرسة العربية ومسؤولية المجتمع عن أزماتها، مستعرضًا إرث خليل السكاكيني الذي سبق عصره في رفض الضرب والامتحانات التقليدية والدعوة إلى احترام الطالب وتعليم البنات

1 عرض المعرض
من البطوف إلى فلسفة التربية | د. كمال موعد: المدرسة لا تنجح بالمعلم وحده والطالب يجب أن يكون في مركز العملية التربوية
من البطوف إلى فلسفة التربية | د. كمال موعد: المدرسة لا تنجح بالمعلم وحده والطالب يجب أن يكون في مركز العملية التربوية
من البطوف إلى فلسفة التربية | د. كمال موعد: المدرسة لا تنجح بالمعلم وحده والطالب يجب أن يكون في مركز العملية التربوية
(راديو الناس)
من بيت العائلة في سهل البطوف، وبين مواسم البطيخ والشمام والسمسم وشمندر السكر، بدأت حكاية د. كمال حسن موعد مع المكان والتعلم والحياة. عقود لاحقة حملته من مقاعد الدراسة في عرابة إلى تدريس التاريخ في المدرسة نفسها التي تخرّج منها، ثم إلى إدارة مدرسة، وصولًا إلى البحث في الفلسفة التربوية والتعليم الجامعي.
في مقابلة موسعة ضمن برنامج "خارج الضوء" مع وديع عواودة على راديو الناس، فتح موعد دفاتر تجربته الشخصية والمهنية، متنقلًا بين ذاكرة مجتمع فلاحي تغيّر، ومدرسة عربية شهدت تحولات واسعة، وأسئلة لا تزال مفتوحة حول دور المعلم والمدير والأهل ووزارة التربية والسلطات المحلية، وصولًا إلى تجربته البحثية مع أحد أبرز أعلام الفكر التربوي الفلسطيني، خليل السكاكيني.

من البطوف إلى المدرسة

د. كمال موعد: المدرسة لا تنجح بالمعلم وحده
خارج الضوء مع وديع عواودة
21:47
وُلد موعد في عرابة البطوف ونشأ في عائلة ارتبطت بالزراعة، مستعيدًا طفولة كان فيها الانتقال بين المدرسة والبيت العائلي في البطوف جزءًا من الحياة اليومية. وقال إن معظم عائلات عرابة وسخنين وعيلبون وبلدات حوض البطوف اعتمدت في مراحل سابقة على الأرض مصدرًا للمعيشة، فيما كان والده متفرغًا للزراعة.
وأشار إلى أن العائلة زرعت محاصيل متعددة، بينها البطيخ والشمام والسمسم والدخان والبصل والشمندر والبندورة، مؤكدًا أن علاقته بالبطوف بدأت منذ سنوات الطفولة الأولى، إذ كان يعود بعد المدرسة إلى بيت العائلة في السهل خلال المواسم الزراعية.
لكن موعد يرى أن العلاقة بين الإنسان والأرض تغيّرت بصورة جوهرية، ليس فقط بفعل السياسات والظروف الاقتصادية، بل أيضًا نتيجة التحول الاجتماعي داخل المجتمع العربي. وقال: "الرابط بين المكان والشخص آخذ بالاضمحلال"، معتبرًا أن ثمة "انسلاخًا معينًا بين الجيل الموجود اليوم وبين الماضي تبع الآباء والأجداد".
وبرأيه، فإن الانتقال من العائلة الكبيرة التي احتاجت إلى أيدٍ عاملة في الزراعة، إلى العائلة الأصغر، يعكس تحولًا أوسع "من مجتمع فلاح بحاجة لأيدي عاملة إلى مجتمع وظائف ومجتمع تجارة ومجتمع تعليم".

30 عامًا في مدارس عرابة

د. كمال موعد: المدرسة ليست ملكًا للمدير
خارج الضوء مع وديع عواودة
29:26
أنهى موعد دراسته الثانوية في عرابة، ثم انتقل إلى جامعة حيفا لدراسة تاريخ الشرق الأوسط والعلوم السياسية، قبل أن يعود عام 1989 إلى المدرسة الثانوية التي كان طالبًا فيها ليبدأ مسيرته مدرسًا للتاريخ.
ووصف العودة إلى المدرسة نفسها بأنها تجربة مميزة، إذ أصبح زميلًا لمعلميه السابقين الذين قال إنه ظل يكنّ لهم الاحترام والتقدير حتى اليوم. وخلال مسيرة امتدت 30 عامًا في التعليم المدرسي، عمل موعد في مدارس إعدادية وثانوية في عرابة، واختتم هذه المرحلة مديرًا لإعدادية البطوف لمدة 4 سنوات، بالتوازي مع عمله الأكاديمي في الجامعة المفتوحة وكلية سخنين الأكاديمية.
وأوضح أنه قرر بعد 30 عامًا في المدارس التفرغ بصورة أكبر للعمل الأكاديمي، قائلًا: "قلت في نفسي: 30 سنة في المدارس يكفي، أريد أن أتابع مسيرتي الأكاديمية اللي بحبها كثيرًا جدًا".

المدرسة ليست ملكًا للمدير

ومن تجربته الإدارية، توقف موعد عند مفهوم إدارة المدرسة والعلاقة بين المدير والمعلمين، رافضًا الثقافة التي تنسب المؤسسة إلى اسم المدير أو تتحدث عن المعلمين باعتبارهم يعملون "عند" مدير بعينه. وقال: "المدير والمعلم كلاهما في قارب واحد في مدرسة تابعة للمجتمع"، مضيفًا أنه كان يرفض بصورة قاطعة القول إن معلمًا "يعلّم عند" هذا المدير أو ذاك.
ويرتبط هذا التصور عند موعد برؤية أوسع إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة جماعية، لا يمكن اختزال نجاحها أو إخفاقها بشخص واحد، مهما كان موقعه.

"نسونة" جهاز التعليم العربي

وتطرقت المقابلة إلى تنامي حضور النساء في إدارات المدارس وطواقم التدريس العربية، وهي ظاهرة وصفها موعد بمصطلح "نسونة المدارس"، مشيرًا إلى أن تركيبة جهاز التعليم العربي تغيرت تدريجيًا مع ازدياد أعداد المعلمات والمديرات. لكنه شدد على أن جنس المدير أو المديرة لا يمكن أن يكون وحده معيارًا للحكم على نجاح المدرسة.
وقال موعد: "إذا كان مديرة أو مدير، الموضوع يتعلق بمدى الجدية والالتزام والمهنية والحرفية"، معتبرًا أن العامل الحاسم هو "العلاقة الجيدة بين المدير أو المديرة مع الأهل، مع الطلاب، مع المعلمين"، لا كون المسؤول رجلًا أو امرأة. وفي الوقت ذاته، أشار إلى إمكان وجود فروق مرتبطة بطبيعة المرحلة العمرية، إذ رأى أن وجود مديرة قد يحمل قيمة إضافية في المراحل الابتدائية المبكرة، لكنه رفض تحويل ذلك إلى قاعدة عامة أو حتمية، مؤكدًا أن المدير قد يفشل والمديرة قد تنجح، والعكس صحيح.

المعلم اليوم "أقدر معرفيًا" لكنه ليس وحده المسؤول

وحول المقارنة بين معلمي الماضي والحاضر، قال موعد إن المعلم اليوم يمتلك مساحة معرفية أوسع نتيجة تطور مؤسسات التعليم العالي والبحث التربوي، لكنه رفض استخدام وصف "أفضل"، مفضلًا القول إن المعلم الحالي "أقدر" من الناحية المعرفية.
وأوضح أن مؤسسات إعداد المعلمين قديمًا كانت أكثر تواضعًا، بينما يأتي المعلم اليوم من جامعات وكليات أكاديمية وبمخزون معرفي أكبر، غير أن المعرفة وحدها لا تكفي للحكم على جودة المعلم.
وقال إن معلمًا من جيل سابق قد يتفوق في الالتزام والعطاء والبيداغوجيا على معلم حالي، حتى لو كان المعلم الحالي أوسع معرفة في مجال تخصصه. ورفض موعد بصورة واضحة تحميل المعلمين وحدهم مسؤولية جوانب الضعف أو الإخفاق في جهاز التعليم العربي. وقال: "هذا من الظلم أن نحمل كل هذا الملف على عاتق المعلمين"، مضيفًا: "أنا كشخص قضيت 30 سنة في هذا المجال أرفض تحميل المعلم المسؤولية".
وعاد إلى هذه النقطة بعد الفاصل، مؤكدًا أن مسؤولية التعليم موزعة بين عدة أطراف. وقال: "هذا ليس من مسؤولية الطواقم المدرسية وحدها، هنا نتحدث عن مجتمع متكامل، يعني هنالك الأهل وهنالك الوزارة وهنالك السلطات المحلية العربية، كلٌ في مكانه وكلٌ يتحمل مسؤوليته".

حلم الدكتوراه الذي عاد بعد سنوات

ورغم انخراطه المبكر في العمل والأسرة، يقول موعد إنه لم يتخلَّ يومًا عن حلم مواصلة دراسته العليا. وفي عام 2008 عاد إلى الجامعة، واختار جامعة تل أبيب لدراسة فلسفة التربية، موضحًا أن هذا المجال كان الأقرب إلى اهتماماته البحثية. وقال: "دائمًا كان عندي شغف بالألقاب العليا... لم أتخلَّ يومًا عن حلمي القديم، حلمي القديم اللي هو الحصول على اللقب الثالث".
وأنهى الدكتوراه خلال 3 سنوات ونصف، قبل أن ينخرط في نشر المقالات والدراسات، فيما تناولت أطروحته الفلسفة التربوية لخليل السكاكيني.

خليل السكاكيني.. "كنز" تربوي فلسطيني

ويحتل السكاكيني موقعًا مركزيًا في مشروع موعد البحثي. وروى أن اختياره للموضوع جاء بعد استشارة البروفيسور عامي أيالون في جامعة تل أبيب، الذي قال له: "عندكم كنز اسمه خليل السكاكيني ولم يكتب عنه أحد، اذهب واكتب عنه". ومن هنا بدأ موعد رحلة طويلة بين المصادر والأرشيفات، في ظل قلة الدراسات التي تناولت السيرة التربوية للسكاكيني، وصولًا إلى إصدار كتاب عن حياته وفلسفته التربوية.
ويرى موعد أن السكاكيني ليس الشخصية الفلسطينية الوحيدة التي غابت عن الذاكرة البحثية بما لا يتناسب مع وزنها التاريخي، مشيرًا إلى شخصيات أخرى، بينها المربي والمفكر أحمد سامح الخالدي.
وقال إن شخصيات فلسطينية بارزة قبل النكبة كانت ذات حضور وتأثير كبيرين، لكنها "طُمست" لاحقًا، الأمر الذي اضطر الباحثين إلى قضاء أشهر في الأرشيفات بحثًا عن الوثائق والمستندات.

مدرسة بلا امتحانات قبل أكثر من قرن

ومن أبرز محطات المقابلة استعراض تجربة السكاكيني التربوية التي يصفها موعد بأنها سبقت عصرها. ففي عام 1909 أسس السكاكيني في القدس "المدرسة الوطنية الدستورية"، التي قامت وفق مبادئ كانت شديدة الاختلاف عن التعليم السائد: لا امتحانات، ولا وظائف بيتية، ولا تسجيل تقليدي للحضور والغياب، ومجلس طلاب يشارك في إدارة المدرسة، إلى جانب تعليم العلوم في الطبيعة والحقول بدل حصرها في غرفة الصف. وقال موعد عن السكاكيني: "سبق عصره تربويًا، وأنتج فكرًا تربويًا لم يكن إلا في أوروبا، حتى دون أن يطلع على هذا الفكر الأوروبي".

احترام الطالب ورفض الضرب

ويرى موعد أن جوهر فكر السكاكيني لم يكن في الأدوات التعليمية فقط، بل في نظرته إلى الطالب باعتباره إنسانًا يجب احترامه. وأوضح أن السكاكيني دعا منذ أكثر من 100 عام إلى منع إذلال الطالب وتوبيخه، ورفض الضرب بصورة تامة في مرحلة كان فيها العقاب الجسدي مقبولًا بل ومؤطرًا بتعليمات رسمية في بعض الأنظمة التعليمية. وقال: "احترام الطالب، وضعه في المركز بمعنى احترامه... ممنوع إذلال الطالب، ممنوع توبيخه، أنت تستطيع أن تعاقبه ولكن بطرق تربوية".
وعند سؤاله عن موقفه الشخصي من "الضرب التأديبي"، أجاب موعد بوضوح: "طبعًا لا أؤمن به". كما توقف عند دعوة السكاكيني المبكرة إلى تعليم البنات وفتح المدارس أمامهن، وهي أفكار يقول موعد إنها واجهت في وقتها اعتراضًا اجتماعيًا شديدًا.

من "الطالب في المركز" إلى سؤال المدرسة العربية اليوم

وبين تجربة السكاكيني في القدس قبل أكثر من قرن، وتجربة موعد في مدارس عرابة والجامعات، ظل سؤال واحد حاضرًا في المقابلة: ماذا نريد من المدرسة؟ بالنسبة إلى موعد، لا تختصر الإجابة بمدير ناجح أو معلم صاحب معرفة، ولا بامتحانات ونتائج وشهادات وحدها. المدرسة جزء من مجتمع كامل، ونجاحها يرتبط بالعلاقة بين الطالب والمعلم والإدارة والأهل والسلطة المحلية والوزارة.
أما وضع الطالب في المركز، فلا يعني وفق القراءة التي عرضها موعد لفكر السكاكيني ترك الطالب بلا ضوابط، بل معاملته باحترام ورفض إذلاله وتحويل التعليم من عملية تلقين إلى تجربة إنسانية ومعرفية أوسع.
وهي أسئلة تبدو، رغم مرور أكثر من 100 عام على تجربة السكاكيني، حاضرة بقوة في النقاش التربوي الراهن: هل المدرسة مساحة للامتحان أم للتعلم؟ وهل وظيفة المعلم نقل المعرفة فقط، أم بناء شخصية؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما لا تحقق المدرسة ما ينتظره منها المجتمع؟
في سيرة د. كمال حسن موعد، تتقاطع هذه الأسئلة مع مسار شخصي بدأ في حقول البطوف، وعبر صفوف المدرسة والإدارة والجامعة والأرشيف، ليعود في نهاية المطاف إلى الفكرة نفسها التي رافقت مشروعه البحثي: التربية لا تبدأ من المنهاج وحده، بل من الإنسان.