في ظلّ الاحتجاجات المتواصلة التي تشهدها إيران، قال الباحث المتخصّص في شؤون الشرق الأوسط د. عبد كناعنة إن ما يجري في الشارع الإيراني هو انعكاس مباشر لأزمة اقتصادية حقيقية وطويلة الأمد، وليس بالضرورة مؤشرًا على قرب سقوط النظام، محذّرًا من أن أي تصعيد أو ضربة خارجية قد تؤدي إلى تعزيز التماسك الوطني بدل إضعافه.
د. عبد كناعنة: الاحتجاجات في إيران نتاج أزمة اقتصادية عميقة والنظام متماسك
"بتوقيت العالم" مع فراس خطيب
11:59
وجاءت أقوال كناعنة خلال مقابلة ضمن برنامج "بتوقيت العالم" عبر راديو الناس، مع الإعلامي فراس خطيب، تناول فيها آخر تطورات الأوضاع في إيران، والخلفيات الاقتصادية والسياسية للاحتجاجات، وإمكانية تأثّر النظام بالضغوط الداخلية والخارجية.
أزمة اقتصادية مزمنة وحصار متواصل
وأوضح كناعنة، وهو محاضر كبير في قسم تاريخ الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب ومتخصّص في الفكر السياسي الشيعي وحزب الله، أن الاحتجاجات التي بدأت أواخر ديسمبر الماضي جاءت نتيجة تراجع اقتصادي حاد تعانيه إيران منذ أكثر من 45 عامًا من الحصار الاقتصادي، والذي تصاعد بشكل خاص في الفترة الأخيرة، ولا سيما بعد الحرب التي اندلعت في يونيو الماضي.
وأشار إلى أن هذا التراجع الاقتصادي يضرب أساسًا الطبقات الوسطى وما فوقها، فيما تتأثر الطبقات الفقيرة بدرجة أقل، لافتًا إلى أن الحصار المفروض على إيران سابق للملف النووي، وبدأ منذ الثورة الإسلامية عام 1979، ويهدف في جوهره إلى ضرب سياسات النظام الإقليمية، وليس فقط برنامجه النووي.
النظام ليس على حافة الانهيار
وحول التقديرات الغربية والإسرائيلية التي تتحدث عن اقتراب نهاية النظام الإيراني، شدّد كناعنة على أن هذه القراءة مبالغ فيها، وتندرج ضمن محاولات الاستثمار السياسي في الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وقال إن النظام الإيراني واعٍ لمحاولات توظيف الاحتجاجات خارجيًا، ويتعامل معها ليس فقط بالقوة، بل أيضًا بمحاولة استيعاب أسبابها الموضوعية.
وأضاف أن دلالة مهمة في هذه الاحتجاجات تكمن في أنها انطلقت من رجال البازار والتجّار، وهم حلفاء تاريخيون لرجال الدين الشيعة، ما يدفع النظام إلى التعامل بحذر أكبر مع مطالبهم، خشية فتح الباب أمام تدخل خارجي.
مقارنة فنزويلا… وإيران مختلفة
وفي رده على المقارنات المتداولة بين إيران وفنزويلا، قال كناعنة إن السيناريو الفنزويلي لا يمكن إسقاطه بسهولة على إيران، موضحًا أن ما جرى في فنزويلا كان عملية اختطاف لم تُسقط النظام حتى الآن. وأضاف أن البعد الجغرافي، المساحة الكبيرة، والبنية الداخلية للنظام الإيراني تجعل تكرار التجربة أكثر تعقيدًا.
ورأى أن إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، إلى جانب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، قد تحاول دفع الأمور نحو مواجهة مباشرة مع إيران، أحيانًا بدوافع سياسية داخلية، إلا أن نتائج هذه المغامرة تبقى غير مضمونة.
الضربات الخارجية توحّد الداخل
وختم كناعنة بالقول إن إيران تمرّ فعلًا بأزمة اقتصادية عميقة تفاقمت بفعل الضربات العسكرية الأخيرة، إلا أن هذه الضغوط تدفع النظام إلى مزيد من التشدد. وأوضح أن نحو 20–30% من الإيرانيين يدعمون النظام بقوة، فيما لا يشكّل الباقون كتلة معارضة صلبة، مشيرًا إلى أن أي استهداف خارجي لإيران كدولة أو وطن سيشدّ العصب القومي ويعزز الالتفاف الشعبي حول النظام.
وأكد أن الولايات المتحدة وإسرائيل تقفان أمام معضلة حقيقية: فالتصعيد قد لا يضعف النظام، بل قد يمنحه شرعية وطنية إضافية في مواجهة ما يُنظر إليه كتهديد خارجي.



