انتخابات الكونغرس الأميركي تهدد بقلب موازين القوى.. هل يفقد ترامب سيطرته على مجلسَي النواب والشيوخ؟

تستعد الولايات المتحدة لإجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر المقبل، والتي ستحدد موازين القوى السياسية خلال العامين الأخيرين من الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب

2 عرض المعرض
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
(The White House)
قبل أقل من شهر على انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، تتزايد المؤشرات على احتدام المنافسة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وسط استطلاعات رأي تشير إلى تقدم الديمقراطيين حتى في ولايات تُعد معاقل تقليدية للجمهوريين، مثل تكساس وكانساس. وفي ظل تداعيات الحرب مع إيران وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب، تبرز تساؤلات بشأن مستقبل سيطرة الجمهوريين على الكونغرس، وانعكاسات أي تحول محتمل على السياسة الأميركية الداخلية والخارجية، بما في ذلك العلاقات مع إسرائيل.
انتخابات مفصلية في 3 نوفمبر
تستعد الولايات المتحدة لإجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر المقبل، والتي ستحدد موازين القوى السياسية خلال العامين الأخيرين من الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب.
وتشمل الانتخابات جميع المقاعد الـ435 في مجلس النواب، و35 مقعدًا من أصل 100 في مجلس الشيوخ، إلى جانب انتخابات لاختيار حكام 39 ولاية وإقليمًا أميركيًا، وآلاف المناصب التشريعية المحلية.
ويحتفظ الجمهوريون حاليًا بالسيطرة على مجلسَي الكونغرس، بأغلبية 53 مقعدًا مقابل 47 في مجلس الشيوخ، وأغلبية ضئيلة في مجلس النواب.
ويحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكاسب محدودة نسبيًا لاستعادة مجلس النواب، بينما تبدو مهمتهم أكثر تعقيدًا في مجلس الشيوخ، حيث يتعين عليهم الوصول إلى 51 مقعدًا لضمان الأغلبية، نظرًا إلى امتلاك نائب الرئيس جيه دي فانس صلاحية ترجيح كفة الجمهوريين في حال التعادل.
استطلاعات تشير إلى تحول في المزاج الانتخابي
تشير استطلاعات الرأي والتقديرات الانتخابية الواردة في تقارير إعلامية أميركية إلى تحسن فرص الديمقراطيين، وسط تراجع التأييد للرئيس ترامب وتزايد الاستياء من الأوضاع الاقتصادية.
ووفقًا للتقديرات المنسوبة إلى مؤسسة "كوك بوليتيكال ريبورت"، قد يحقق الديمقراطيون مكاسب صافية تتراوح بين 9 و19 مقعدًا في مجلس النواب، فيما تشير التقديرات الواردة في التقرير بشأن مجلس الشيوخ إلى احتمال تحقيقهم مكاسب إضافية قد تغير موازين السيطرة عليه.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في ظل التاريخ الانتخابي الأميركي، إذ غالبًا ما يتكبد حزب الرئيس الحاكم خسائر في انتخابات منتصف الولاية.
ومع ذلك، تبقى نتائج الاستطلاعات غير حاسمة، خصوصًا بعدما أخفقت بعض التوقعات في تقدير نتائج الانتخابات السابقة، بما فيها انتخابات عامَي 2016 و2024.
الحرب مع إيران والاقتصاد في قلب المنافسة
تُعد الأوضاع الاقتصادية من أبرز القضايا المؤثرة في توجهات الناخبين، في ظل ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية وتكاليف التأمين الصحي.
وبحسب التقرير، ساهمت تداعيات الحرب مع إيران في زيادة الضغوط الاقتصادية، ما أثار انتقادات داخل الحزب الجمهوري نفسه، ودفع بعض مرشحيه إلى المطالبة بإنهاء الحرب سريعًا.
وتشير استطلاعات أوردها التقرير إلى تراجع نسبة التأييد لترامب إلى نحو 35%، وهو ما يثير مخاوف لدى مرشحين جمهوريين من انعكاس تراجع شعبيته على نتائجهم الانتخابية.
وفي بعض الولايات، بدأ مرشحون جمهوريون بإظهار مواقف أكثر استقلالية عن الرئيس، ولا سيما فيما يتعلق بالحرب وتكاليف المعيشة.
تكساس.. معقل جمهوري أمام اختبار غير مسبوق
تستقطب ولاية تكساس اهتمامًا خاصًا، بعدما أظهرت استطلاعات حديثة تقدم المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو على منافسه الجمهوري كين باكستون في السباق إلى مجلس الشيوخ.
ولم تنتخب تكساس عضوًا ديمقراطيًا لمجلس الشيوخ منذ عام 1988، ما يجعل المنافسة الحالية ذات أهمية سياسية خاصة.
وبحسب استطلاع لجامعة سيينا وصحيفة "نيويورك تايمز"، حصل تالاريكو على تأييد 51% مقابل 45% لباكستون.
ويقدم تالاريكو، البالغ من العمر 37 عامًا، خطابًا يجمع بين توجهاته التقدمية وقيمه المسيحية، مع التركيز على الرعاية الصحية ودعم الفئات الأقل دخلًا والمهاجرين.
في المقابل، يواجه باكستون انتقادات مرتبطة بقضايا سابقة تتعلق بفترة توليه منصب المدعي العام في تكساس، فيما يواصل ترامب دعمه ومحاولة تعزيز فرصه الانتخابية.
ولا تقتصر المنافسة في الولاية على مجلس الشيوخ، إذ أظهر الاستطلاع ذاته تقدم المرشحة الديمقراطية جينا هينوجوسا بثلاث نقاط مئوية على الحاكم الجمهوري الحالي غريغ أبوت.
2 عرض المعرض
الكونغرس الأمريكي في واشنطن - صورة عامة
الكونغرس الأمريكي في واشنطن - صورة عامة
الكونغرس الأمريكي في واشنطن - صورة عامة
(Flash90)
منافسات محتدمة في ولايات محافظة أخرى
لا تقتصر المؤشرات على تكساس، إذ تشير استطلاعات أخرى إلى تقارب النتائج في ولايات كانساس وأوهايو وآيوا وألاسكا، وهي ولايات تميل تقليديًا إلى الجمهوريين.
وفي كانساس، يخوض الديمقراطي آدم هاميلتون منافسة متقاربة مع السيناتور الجمهوري روجر مارشال، رغم أن الولاية لم تنتخب عضوًا ديمقراطيًا لمجلس الشيوخ منذ عام 1932.
أما في أوهايو، فيسعى الديمقراطي شيرود براون للعودة إلى مجلس الشيوخ في مواجهة الجمهوري جون هوستد، بينما تشهد آيوا منافسة بين الديمقراطي جوش تورك والجمهورية آشلي هينسون.
وتبرز في هذه الولايات قضايا أسعار الوقود وتكاليف الإنتاج والنقل، نظرًا إلى اعتماد قطاعات واسعة من سكانها على الزراعة والصناعة.
وفي المقابل، يواجه الديمقراطيون تحديات للحفاظ على بعض مقاعدهم، ولا سيما في نيوهامبشير ومينيسوتا، فيما يسعى الجمهوريون إلى الاحتفاظ بمقعدهم في ولاية مين.
الناخبون من أصول لاتينية.. تحول قد يؤثر في النتائج
يمثل الناخبون الأميركيون من أصول لاتينية أحد أبرز العوامل التي قد تؤثر في نتائج الانتخابات المقبلة.
ففي الانتخابات الرئاسية عام 2024، نجح ترامب في الحصول على نحو نصف أصوات هذه الشريحة، بما فيها 54% من أصوات الرجال، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
لكن استطلاعًا حديثًا لشبكة NBC أظهر أن 27% فقط من الناخبين من أصول لاتينية يقيّمون أداء ترامب إيجابيًا.
كما أظهر الاستطلاع تراجع تأييده بينهم في ملفات رئيسية، إذ بلغت نسبة الرضا عن أدائه في معالجة غلاء المعيشة 20%، وفي ملف الهجرة 30%، وفي أمن الحدود 38%.
ويربط التقرير هذا التراجع بخيبة أمل بعض الناخبين من استمرار ارتفاع الأسعار، إلى جانب الانتقادات الموجهة إلى إجراءات الترحيل الواسعة التي تنفذها الإدارة الأميركية.
وحذرت النائبة الجمهورية ماريا إلفيرا سالازار، من ولاية فلوريدا، من أن بعض إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة تجاوزت الحدود المقبولة، مشيرة إلى أن ناخبين من أصول لاتينية دعموا ترامب في عام 2024 يشعرون اليوم بخيبة أمل.
إعادة رسم الدوائر الانتخابية.. محاولة لحماية الأغلبية
في موازاة المنافسة الانتخابية، لجأ الجمهوريون إلى إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في عدد من الولايات، بينها تكساس وفلوريدا وأوهايو، بهدف تعزيز فرص مرشحيهم في مجلس النواب.
وتُعرف هذه الممارسة سياسيًا باسم "جيريماندرينغ"، وتقوم على تعديل حدود الدوائر الانتخابية بطريقة قد تمنح حزبًا معينًا أفضلية انتخابية.
وفي المقابل، أجرى الديمقراطيون تعديلات مماثلة في بعض الولايات الخاضعة لسيطرتهم.
لكن التقديرات الواردة في التقرير تشير إلى أن التغيرات في توجهات الناخبين، خصوصًا من أصول لاتينية، قد تحدّ من تأثير هذه الإجراءات.
ففي تكساس، على سبيل المثال، كان الجمهوريون يأملون بتحقيق خمسة مقاعد إضافية نتيجة إعادة ترسيم الدوائر، لكن التقديرات الحالية تشير إلى احتمال تحقيق ثلاثة مقاعد فقط.
ماذا يعني فقدان ترامب السيطرة على الكونغرس؟
قد يؤدي فوز الديمقراطيين بالأغلبية في أحد مجلسَي الكونغرس أو كليهما إلى تغيير كبير في قدرة ترامب على تنفيذ أجندته السياسية خلال ما تبقى من ولايته.
فسيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب ستتيح لهم عرقلة مشاريع تشريعية للرئيس، وفتح تحقيقات برلمانية بشأن سياسات إدارته، واستدعاء مسؤولين للإدلاء بشهاداتهم أمام لجان الكونغرس.
كما قد تتصاعد الخلافات بشأن إقرار الميزانية الفيدرالية، بما يزيد احتمالات تعطل عمل المؤسسات الحكومية في حال تعذر التوصل إلى تفاهمات.
أما السيطرة على مجلس الشيوخ، فستمنح الديمقراطيين نفوذًا إضافيًا في ملف المصادقة على التعيينات الرئاسية، بما يشمل الوزراء وكبار المسؤولين والقضاة.
ورغم إمكانية إطلاق إجراءات لعزل الرئيس من جانب مجلس النواب، فإن إقرار عزله فعليًا يتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وهو شرط يصعب تحقيقه في ظل التوازنات الحزبية الحالية.
إسرائيل أمام كونغرس قد يكون أكثر انتقادًا
تثير الانتخابات المقبلة تساؤلات بشأن مستقبل العلاقات الأميركية الإسرائيلية، في ظل تنامي نفوذ التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.
وبحسب التقرير، نجح عدد من المرشحين التقدميين المنتقدين للسياسات الإسرائيلية في الانتخابات التمهيدية للحزب، خصوصًا في ولايات ذات أغلبية ديمقراطية مثل نيويورك وكاليفورنيا.
ويدعو بعض هؤلاء المرشحين إلى وقف المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، أو ربط استمرارها بتغييرات في سياسات الحكومة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة والضفة الغربية.
كما امتدت الانتقادات إلى أوساط ديمقراطية معتدلة، حيث أيد معظم أعضاء الحزب في مجلس الشيوخ مقترحًا يربط المساعدات العسكرية بتقديم تقرير بشأن مقتل مواطنين فلسطينيين يحملون الجنسية الأميركية.
ورغم سقوط المقترح بتصويت 51 مقابل 48، فإن حجم التأييد له يعكس اتساع النقاش داخل الحزب بشأن شروط الدعم العسكري لإسرائيل.
ومع ذلك، فإن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لن تعني بالضرورة القدرة على تمرير تشريعات تقيد الدعم الأميركي لإسرائيل، في ظل امتلاك ترامب صلاحية النقض الرئاسي.
لكنها قد تؤدي إلى زيادة الرقابة البرلمانية والضغوط السياسية على الحكومة الإسرائيلية.
ميشيغان.. احتمال انتخاب أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ
تبرز ولاية ميشيغان بوصفها إحدى الولايات التي قد تشهد نتيجة تاريخية، حيث يخوض المرشح الديمقراطي التقدمي عبدول السيد منافسة متقاربة مع الجمهوري مايك روجرز.
وفي حال فوزه، سيصبح عبدول السيد أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي.
وتكتسب المنافسة أهمية إضافية نظرًا إلى طبيعة ميشيغان بوصفها ولاية متأرجحة، فاز فيها ترامب في الانتخابات الرئاسية عام 2024 بفارق 1.4 نقطة مئوية فقط.
ويركز عبدول السيد في حملته على القضايا الاقتصادية، بما فيها أسعار الوقود والتأمين الصحي وتكاليف المعيشة، رغم استمرار الجدل حول مواقفه المنتقدة لإسرائيل.
وفي المقابل، صعّد ترامب هجماته الكلامية ضده، مستخدمًا أوصافًا تربطه بالتطرف، وهي اتهامات رد عليها المرشح الديمقراطي معتبرًا أنها محاولة لصرف الانتباه عن المشكلات الاقتصادية التي تواجه الأميركيين.
انتخابات قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة
مع اقتراب موعد الاقتراع، تبدو انتخابات التجديد النصفي اختبارًا سياسيًا مهمًا لإدارة ترامب، في ظل تداخل الأزمات الاقتصادية والخلافات بشأن الحرب مع إيران وتراجع التأييد الجمهوري لدى بعض شرائح الناخبين.
وبينما تشير استطلاعات الرأي إلى تحسن فرص الديمقراطيين، فإن المنافسة في عدد من الولايات ما تزال مفتوحة، ولا سيما أن التجارب الانتخابية السابقة أظهرت إمكانية اختلاف النتائج الفعلية عن التوقعات.
وستحدد نتائج الثالث من نوفمبر ليس فقط هوية الحزب المسيطر على الكونغرس، بل أيضًا طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية، ومدى قدرة ترامب على مواصلة تنفيذ سياساته، فضلًا عن تأثيرها المحتمل في المشهد السياسي الأميركي استعدادًا للانتخابات الرئاسية عام 2028.